إخفاء آثار النبوة ودرسها ، فالعالم جسد روحه النبوة ولا قيام للجسد بدون روحه . ولهذا فإذا انكسفت شمس النبوة من العالم ولم يبق في الأرض شيء من آثارها انشقت سماؤه وانتثرت كواكبه وكورت شمسه وخسف قمره ونسفت جباله وزلزلت أرضه وأهلك من عليها ، فلا قيام للعالم إلا بآثار النبوة ، وإذا سلم هذا علم منه بواسطة كونه صلّى اللّه عليه وسلم أكمل النبيين ، وما جاء به أجمل مما جاءوا به عليهم السلام وإن لم يكن في الأصول اختلاف . ووجه كونه صلّى اللّه عليه وسلم أرسل رحمة للعالمين أجمع أسودهم وأحمرهم عربهم وعجمهم هو أنه أكرمهم على اللّه ، وأحبهم إليه ، وأنفعهم لعباده وأتقاهم ، وأرضاهم إليه ، وأسخاهم فيما لديه ، وأوفرهم نصيبا عنده وأكثرهم مروءة بخلقه وغيرة على دينه وكونه خاتم الرسل . وما قبل إن العالمين خاص بالمؤمنين غير وجيه لعدم وجود ما يخصصه بهم ، بل إنه عام مطلق ، وقد بعث صلّى اللّه عليه وسلم رحمة لكل فرد من أفراده إنسهم وجنهم وملائكهم ، إلا أن الرحمة متفاوتة فتكون لكل بحسبه بمقتضى أعماله ، كما أن العذاب والعقاب يكون كذلك . هذا وقد أخرج مسلم عن أبي هريرة قال : قيل يا رسول اللّه ادع على المشركين ، قال إني لم أبعث لعّانا وإنما بعثت رحمة . قال تعالى
« قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ »
إنما أداة حصر ، والحصر قصر الحكم على شيء ، أو قصر الشيء على حكم ، وعليه يكون المعنى أن الإله إله واحد لا غير البتة ، وهو الذي أوحى إلي ما تلوته عليكم
« فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ »
108 منقادون إلى توحيد اللّه .
وهذا استفهام بمعنى الأمر ، مثله في قوله تعالى
( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ )
الآية 91 من المائدة في ج 3 أي هلا تنتهون عن شرب الخمر واللعب بالميسر وكل ما نهى اللّه عنه ؟
والمعنى هنا هلا أسلمتم بعد ما أوضحنا إليكم الدلائل ، فأسلموا تسلموا خير لكم ، ولهذا يقول اللّه
« فَإِنْ تَوَلَّوْا »
عنك يا محمد ولم يذعنوا لك
« فَقُلْ آذَنْتُكُمْ »
أعلمتكم وأنذرتكم أيها الناس ما أمرني به ربي . وكلمة آذن تتضمن الإنذار والتحذير من الحرب ، ولا سيما قد تقدمه الإنذاران المشار إليهما آنفا ، وهذه كلها من مقدمات الهجرة التي آن أوانها والتي ستكون سببا للحروب معهم وغيرهم كما يدل عليه قوله تعالى
« عَلى سَواءٍ »
أي لم أخص أحدا منكم بذلك الإعلام المسبوق