إذ أمره اللّه تعالى بالاشتغال بتبليغ الرسالة إلى من يعلم عتوه له وعناده وبغضه له بسبب قتل الرجل من قومه قاتله اللّه ولم يحسب قتل الألوف من قبله من قوم موسى ، فأمره اللّه تعالى أن يضرب صخرة بعصاه ، فضربها فانشقت عن صخرة ثانية ، فضربها فانشقت عن صخرة ثالثة ، فضربها فانشقت عن دودة كالذرة ، وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها ، وسمعها تقول سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ولا ينساني ، فتنبه موسى عليه السلام لذلك وصرف نظره عن ذكر أهله . وما أحسن قول ابن أذينة :
لقد علمت وما الإسراف من خلقي * إن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إليه فيعييني تطلبه * ولو أقمت أتاني لا يعنيني
وقد صدقه اللّه تعالى حيث وقد على هشام بن عبد الملك ، فلما رآه قرّعه بقوله هذا فقال له وتشد رحلك من المدينة إلى الشام بطلب الرزق ، فتركه ورجع ، فلما غاب عنه ندم هشام على ما وقع منه نحوه ، وكانوا يخشون الشعراء حفظا لكرامتهم ، لأن الشاعر قد لا يترك عادته من الهجاء كما لا يتركها في المدح ، ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : ذبوا بأموالكم عن أعراضكم ، فأرسل بجائزته إليه من دمشق إلى المدينة ، فلما رأى أنه أرسلها رغما عنه دون طلب منه ، قال للرسول قل له قد صدقت في قولي ولو أراد اللّه لما بعثك بها من الشام إلى المدينة ، فأخبر الرسول هشام بن عبد الملك بما قاله ابن أذينة فسمعه ورجع عن كلامه .
مطلب إرسال الرزق عفوا وكون العرش على الماء وكيفية الخلق :
ولا ينبغي لمثله أن يفعل ذلك ، ويوجد أخبار وآثار كثيرة في هذا الشأن ، وقد ألغى أمر الأسباب إلغاء تاما القائل :
مثل الرزق الذي تطلبه * مثل الظل الذي يمشي معك
أنت لا تدركه متبعا * وإذا وليت عنه تبعك
وهذا يكون بحسب مكابرة الأشخاص واعتقاداتهم ، وبالجملة فينبغي الوثوق باللّه وربط القلب به فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وتشير هذه الآية أيضا إلى