والعبد لا يستحق عليه شيئا ، ومعنى أن الإنجاء واجب عليه انه كالأمر الواجب عليه تعالى بحسب وعده الذي لا يخلف ، وإلا فلا وجوب حقيقة لا بالإنجاء ولا بالإهلاك ، لأنه يفعل ما يشاء ويختار ، فله أن يعذب المؤمن وينعم الكافر ، فلا يسأل عما يفعل كما هو عقائد الأشعرية والماتريدية ، وعليها جميع أهل السنة والجماعة ، وهذا لا يعد ظلما منه ، لأن الظلم التصرف في ملك الغير بلا حق ، واللّه سبحانه وتعالى هو المالك المتفرد في هذا الكون علوية وسفليه ، وله التصرف فيه كيفما شاء وأراد ، وهذه الآية مقررة لمضمون ما قبلها ، وقدمنا ما يتعلق بها في الآيات 55 / 65 و 91 المارات في هذه السورة ، قال تعالى
« قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي »
الذي أدعوكم إليه تقدم ما فيها في الآية 91 المارة من هذه السورة أيضا
« فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ »
من الأوثان لأني على دين أبيكم إبراهيم عليه السلام الذي تعرفونه ، لا تشكون فيه ، كما أن رؤساء النحل كلها تحترمه وتقر لحضرته بصحة الدين القويم ولا تشك فيه ، فالأولى أن تشكوا في دينكم المبتدع الذي لا أصل له البتة ، وإنما قدم النفي لأن العبادة غاية تعظيم المعبود فلا تليق لأخس الأشياء كالأوثان التي لا تضر ولا تنفع تارك عبادتها وعابدها ، وإنما تليق لمن بيده النفع والضر والإحياء والإماتة الملمع إليه بقوله
« وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ »
فهو الذي يستحق العبادة لأنه خلقكم ولم تكونوا شيئا ثم يميتكم ثم يحييكم ، وقد اكتفى بذكر الوفاة لأنه أشد شيء على النفس وأقوى في الزجر والردع
« وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
104 » المصدقين باللّه الواحد وبما جاء من عنده ، ولما ذكر العبادة التي هي من أعمال الجوارح اتبعها بما هو من أعمال القلوب وهو الإيمان فقال جل قوله
« وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ »
أي ذاتك كلها ، وهذه عطف على أن أكون
« لِلدِّينِ حَنِيفاً »
مائلا عن كل أباطيلهم وهي حال مؤكدة من الوجه لأن إقامة الوجه تضمنت التوجه إلى الحق والاعراض عن الباطل بكلية الإنسان من إطلاق الجزء على الكل
« وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
105 » في الاعتقاد والأعمال
« وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ »
مما يدعوك إليه