ولما أرسلنا الرسل ودعوهم للإيمان بنا وبرسلنا والوفاء بالعهد الذي أخذ عليهم في عالم الذر وترك الأوثان والتمسك بطرق الخير وترك سبل الشر والإيمان بالبعث بعد الموت ( راجع الآية 172 من سورة الأعراف في ج 1 ) لم يلتفتوا إليهم وأنكروا عليهم دعوتهم وكذبوهم
« فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ »
لأنهم لم يراعوا حقّ نعمتنا المتوالية عليهم ولم يصدقوا رسلهم
« وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ
6 » بمقتضى سنتنا المطردة وهي أنا كلما أنشأنا قرنا ودعوناه للإيمان بنا فلم يؤمن أهلكناه وأنشأنا غيره ، وأنتم يا أهل مكة سيكون مصيركم الهلاك إن لم تؤمنوا بنبيكم لأنا لا نخرم سنتنا ، قال النضر بن الحارث وعبد اللّه بن أمية ونوفل بن خويلد :
لا نؤمن بك يا محمد حتى تأتينا بكتاب من عند اللّه مع أربعة من الملائكة يشهدون على أنه من عند اللّه وأنك رسول اللّه ، فأنزل اللّه
« وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ »
وظهر لهم كما أرادوا ، لأن اللمس أبلغ من المشاهدة
« لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا »
والمقترحون خاصة
« إِنْ هذا »
ما هو بقرآن ولا هو مكتوب على ورق وليس بشيء وإن كنا نراه ما هو
« إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
7 » تخيّل علينا به وتموّه كما قالوا في انشقاق القمر تعنتا وعنادا لأنهم لا ينتفعون بالآيات بسبب إصرارهم على الكفر
« وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ »
يشهد له بأنه مرسل من اللّه لآمنا به وصدقناه . قال تعالى
« وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً »
على رسولهم محمد كما طلبوا
« لَقُضِيَ الْأَمْرُ »
بإهلاكهم لأنا لا نرسل الملائكة إلا لتنفيذ أوامرنا وإنجاز وعيدنا وقد جرت عادتنا أن كل أمة اقترحت على نبيها شيئا وآتاهم ما اقترحوه ولم يؤمنوا استأصلناهم بالعذاب
ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ
8 » إذ لا تقبل التوبة عند نزوله ، وإنما لم نفعل ذلك لما هو ثابت في علمنا أزلا أن منهم من يؤمن
« وَلَوْ جَعَلْناهُ »
ذلك الرسول
« مَلَكاً »
وهذا رد لقولهم لو شاء ربك لأنزل ملائكة لهداية البشر ، لأن البشر لا يهدي مثله بزعمهم الباطل
« لَجَعَلْناهُ رَجُلًا »
على صفة المرسل إليهم ، لأن البشر لا يستطيع النظر إلى صورة الملك الحقيقية ، ولذلك حينما نرسل الملائكة إلى البشر نرسلهم بصورة البشر كما فعلنا ذلك مع داود ولوط وإبراهيم وكما جاء جبريل إلى محمد بصورة