مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك :
ومن هذا الترتيب يفهم أن خلق السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور ، إلا أن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب كما هو ظاهر . قال تعالى
( خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ )
وقال تعالى
( يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ )
الآية الأولى من سورة تبارك الملك الآتية ، والثانية الآية 55 من المائدة في ج 3 ، وقدمنا ما يتعلق بنشأة الكون في الآية 27 من سورة الحجر المارة وما يتعلق بمبدئه ولبحثها صلة في الآية 30 من سورة الأنبياء الآتية
« ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
1 » يساوون به غيره من الأوثان بعد أن علموا أنه الخالق ، لذلك كله تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، وبعد أن جعل هذه المخلوقات لمنافعهم ذكرهم بأصول خلقهم علهم ينتهون فقال
« هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ »
ابتدأ خلق أبيكم آدم منه ، أخرج أبو داود والترمذي عن أبي موسى الأشعري قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول إن اللّه تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض ( أي ألوانها ) منهم الأحمر ومنهم الأبيض والأسود وبين ذلك ، والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك . وقد نزلت هذه الآية ردا على المشركين الذين ينكرون البعث بعد الموت يفهمهم فيها أن الذي يخلق من الطين بشرا ألا يقدر على إعادته بعد فنائه وإحيائه بعد إماتته ، بلى ، وهو أهون عليه ، لأن الخلق الأول على غير مثال سابق والإعادة عبارة عن خلقه على حالته الأولى ، فالذين يعملون الآن السيارات والطيارات والدبابات والقذائف والألغام وغيرها لا فضل لهم بها لأن الفضل كله إلى الذي ابتكر صنعها إبداعا بتعليم اللّه إياه ، ولهذا يقول اللّه تعالى
( أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ )
الآية 15 من سورة ق في ج 1 ، وإنما قال ذلك لأن الخلق الثاني عبارة عن إعادة ما خلقه أولا وليس بشيء عنده ، واعلم أن ما يخلقه الإنسان هو من خلق اللّه ، قال تعالى
( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ )
الآية 97 من الصافات الآتية ، وإن عملهم هذا تقليد للمخترع الأول الذي ابتكر صنعها ليس إلا ، لأن الشيء بعد إيجاده يسهل تقليده والعسر كل العسر في إبداعه وتصويره وإنشائه ، ولا سواء بين الخالق والمخلوق ، لأن المخلوق يحتاج للتعب والتفكر والتدبر وما يعتمد