ذلك لما جرى الأمر على ما أراد قال في درر المرتضى إن كدنا تأتي بمعنى أردنا ، وعليه أنشد :
كادت وكدت وتلك خير إرادة * لو عاد من لهو الصبابة ما مضى
هذا وانا نحن إله السماوات والأرض الخافض الرافع
« نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ »
بالعلم والعمل كما رفعنا رتبة يوسف على إخوانه باقتضاء حكمتنا وما تستدعيه المصلحة
« وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
76 » من البشر إلى أن ينتهي إلى ربه تعالى مما لا يناله البشر ، راجع الآية 43 من النجم المارة في ج 1 ، ولما رأى الإخوة أن سقط في أيديهم وقد احتفظ الملك بأخيهم وأمرهم بالانصراف أقبلوا عليه كلهم و
« قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ »
وعرضوا بكلامهم هذا بأن أمهم ليست بأمه ، قيل إن السرقة التي عزوها ليوسف وعيروا بها أخاه هي ما ذكرناه قبل في قصة المنطقة عند قوله تعالى ،
( إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ )
الآية 34 المارة ، وما قيل إنه عليه السلام كان سرق بيضة أو صنما أوانه كان يسرق الطعام ويعطيه للفقراء أقوال أضعف من القول الذي أخذنا به ، لأن هذا وأمثاله مما لم ينبه عليه اللّه تعالى ولم يوقف على حقيقته أحدا ، وإن علمه عند اللّه وحده ، وما ذكر كله على علاته لا يسمى سرقة على فرض صحتها ، وإنما سميت سرقة لشبهها بها ، وبما أنهم لم يجدوا ما يعدوه عليه عيبا من شيء ظاهر معقول ولا ما يمس بكرامته غير ذلك ، عدوه عيبا عليه ، من حيث لا يعد إلا على حد قوله :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فأول من قراع الكتائب
قال تعالى
« فَأَسَرَّها يُوسُفُ »
عليه السلام أخفى تلك المقالة التي وصموه بها بالسرقة حيث جعلها مكتومة في سره
« وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ »
لا قولا ولا فعلا بل صفح عنها حلما وعفوا أو كتم ما أراد ان يجابههم به من القول جوابا على مقالتهم تلك ، وهي المعني بها بقوله تعالى
« قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً »
منزلة ممن رميتموه بالسرقة ، أي ذكر هذه الجملة في نفسه عليه السلام لما حصل في قلبه من الحزازة الحاصلة من قولهم ذلك ، والحزازة وجع القلب من غيظ ونحوه ، وقيل أنه عليه السلام أراد بقوله لاخوته
( أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً )
لما أقدموا عليه من