تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
من العقل ووقوفهم عندما ألفوا عليه آباءهم وألفوه ، ولما فرغ عليه السلام من دعوة الخلق إلى الحق حسبما أمره ربه رجع إلى تعبير رؤياهما فقال
« يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما »
الساقي فإنه يرجع إلى وظيفته
« فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً »
إذ تظهر براءته مما عزي إليه من العلم والاشتراك باغتيال الملك
« وَأَمَّا الْآخَرُ »
الطاهي فيثبت عليه الجرم المعزولة
« فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ »
لتسببه في اغتيال الملك ومباشرته لها فعلا لعدم امتثال أمر الملك بالأكل وبراءة الأول بالشرب ، وهما دليلان كافيان على براءة الأول وحكم الثاني ، وقال إن هذا سيكون بعد ثلاثة أيام ، وذلك لأن الأول قال ثلاث عناقيد عنب ، والآخر قال ثلاث سلال ، فقال له ما رأينا شيئا فقال لهما
« قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
41 » ووجب حكم اللّه تعالى عليكما بما أخبرتكما ، رأيتما أو لم تريا ، وإنه آتيكم لا محالة بعد ثلاث ، ومن هنا قيل البلاء موكل بالمنطق
« وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ »
تيقن وتحقق
« أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي »
إذا خرجت من السجن
« عِنْدَ رَبِّكَ »
سيدك ومولاك لعله يتذكر مظلمتي فيخرجني من السجن ، قالوا وبعد ثلاثة أيام خرج الأول وصلب الثاني ، وهذا حكم عدل من ملك مصر في براءة الساقي ، لأنه لم يقبل الجعل على المؤامرة في حق الملك ولم يباشر عملا . أما قتل الطاهي ففيه ما فيه لأنه وإن كان أتم جميع الأسباب إلا أنه لم يقع الفعل كما علمت ، ولكن الملوك اعتادت قتل من يتآمر عليها وسنّت بذلك قوانين فهي تعمل بها حتى الآن ، قال تعالى
« فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ »
أي أنسى الشيطان الساقي أن يذكر الملك بيوسف .

مطلب في ضمير أنساه ورؤيا ملك مصر الأكبر وخروج يوسف من السجن :

وما قيل إن الضمير في أنساه يعود إلى يوسف غير وجيه ، لأن المعنى بصير حينئذ أن الشيطان أنسى يوسف ذكر اللّه بطلبه الفرج عنه من ملك مصر دونه ، وهو محال لما فيه من التعريض إلى الغفلة ، والأنبياء بعيدون عنها منزهون منها ، لذلك اخترنا ما عليه جل المفسرين من عود الضمير إلى الساقي لأنه أولى وأنسب بالمقام وأوفق للسياق واللّه أعلم
« فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
42 » بسبب ذلك ، وعلى ما قالوا إنه أتم في