تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
عن أذاهم له ورأى كل جبل يظهر أنجس من الذي قبله ، وقد أيس من إيمانهم ، شكا أمره إلى اللّه بعد أن أقنطه من إيمانهم في هذه الآية ، دعا عليهم كما هو مذكور في سورته الآتية في الآية 26 فاستجاب سبحانه دعاءه ، وأوحى إليه بقوله
« وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا »
على مرأى منا لئلا تزيغ عن الصواب في كيفية صنعها المثبتة في أزلنا ، وذلك لأن اللّه تعالى كما خلق في عالم الذر جميع الناميات ، صور أيضا كل الجامدات ، فكان كل ما يظهر منها طبق ما هو مكون عنده في لوحه وكلمة
( بِأَعْيُنِنا )
جاءت هنا وفي الآية 14 من سورة القمر المارة في ج 1 ،
« وَوَحْيِنا »
أي اصنعها بمقتضى ما نأمرك به من عرضها وطولها وثخنها وارتفاعها وعمقها وهيئتها ومم يكوّنها ومقدار ما تستوعبه ، قال ابن عباس لم يعلم نوح كيف يصنعها فأوحى اللّه إليه أن يجعلها مثل جؤجؤ الطائر ،
« وَلا تُخاطِبْنِي »
يا رسولي بعد انهائك عملها وطوافها على وجه الماء الذي سأقدره لها
« فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا »
من قومك ولا تتشفع لأحد منهم ، ولا تسألن بتأخير عذابهم
« إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
37 » حتما محكوم عليهم في الموت غرقا حكما مبرما قضي فيه أزلا وجف به القلم ، فلا سبيل إلى كفه
« وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ »
امتثالا لأمر ربّه حسبما أوحي له به . قال الأخباريون : بعد أن سمع نوح من ربه ما سمع أقبل على عمل السفينة ، ولهي عن قومه بها ، فقلع الخشب وضرب الحديد ، ومحيا الإسفلت وهو القار ، أي القير الأسود ، واستحضر كل ما يحتاجه لعملها ، وباشر صنعها بيده بمقتضى ستراءى له من صورتها ، فصار لا يخطئ بشيء لأن العلم له هو اللّه ربه والعمل بجرأة النبوة كما فهمه من معنى الوحي وكيف يخطئ وهو أكمل البشر في زمانه ، وصنع الكامل لا يكون إلا كاملا ، وجعل يدأب على عملها وحده
« وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ »
ضحكوا من عمله واستهزءوا به ، ويقولون له صرت نجارا بعد أن كنت نبيا ، وكيف تصنع سفينة في أرض يبس من برية لا ماء فيها ، وذلك أنه بدأ عملها بعيدا عن قومه وعن الماء بوحي ربه ، وعادة الرسل أنهم لا يسألون ربهم عندما يأمرهم بشيء تأدبا ولعلمهم أنه لا يأمرهم إلا بما فيه فوزهم ، راجع الآية 62 من الشعراء المارة في ج 1
« قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا »
على ما ترون من