مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى »
117 أنت وزوجك وذريتك إذ يكون عيشك من كد يمينك وعرق جبينك ، فتزرع وتحصد وتطحن وتعجن وتخبز بعد أن كنت في غنى عن هذه الأتعاب ، ومن ضمن شقائك شقاء ذريتك من بعدك وزوجتك معك ، لأن شقاء الرجل شقاء لأهله وسعادته سعادتهم ، أسند جل شأنه الخروج إلى اللعين بسبب وسوسته لهما وقبولهما منه وإلا ففي الحقيقة هو الفاعل وحده ، وانما يؤاخذ الفاعل على ما نهي عنه بقصده ورغبته وبما أوتي من عقله بلزوم اجتناب القبيح وعمل المليح ، كما بيّنه في الآية 122 الآتية ، ثم بين فوائد بقائه في الجنة بقوله عز قوله
« إِنَّ لَكَ »
يا آدم ما دمت في الجنة
« أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى »
118 بل تأكل ما تشتهي وتلبس ما تريد بلا تعب ولا مشقة
« وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى »
119 بل تشرب أنواع الأشربة اللذيذة وتستظل بظل دائم لا ترى وهج الشمس ولا حرها ، يقال ضحى الرجل إذا برز في الضحى فأصابته الشمس ، قال عمرو بن ربيعة في هذا :
رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت * فيضحى وأما بالعشي فيخصر
يخصر أي يبرد ، فهذه الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان مؤمنة لكما ، فلما ذا أخرجتما أنفسكما إلى مباشرتها بالتعب والمشقة بسبب عدم صبركما عما نهيتما عنه !
« فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ »
ثم بين صفة هذه الوسوسة بقوله
« قالَ »
إبليس
يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ »
التي من يأكل منها لا يموت بل يخلد في الجنة
« وَمُلْكٍ لا يَبْلى »
120 ولا يفنى زيادة على التخليد فيها أبدا فراق لهما ذلك وقالا بلى فما هو ؟ قال تأكلان من هذه الشجرة ولم يزل يحسّن لهما أكلها حتى أغراهما وغرهما
« فَأَكَلا مِنْها »
مع كون علمهما بعداوة إبليس لهما بإخبار اللّه تعالى لهما نسيانا وغرورا من إبليس الذي ألقى الوسوسة لهما وأقسم بأنه ناصح لهما ولم يريدا بعملهما ذلك مخالفة أمر اللّه حقيقة ، لأن الحقيقة هي طبق مراد اللّه أزلا ومن تأمل هذا عرف أن لا دافع لقضاء اللّه . فعجل اللّه عقوبتهما على هذه المخالفة الظاهرة لما أمرهما اللّه به
« فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما »
حال أكلهما بدليل العطف بالفاء