عما وقع منك تجاهه لقاء نصحي ، وأسأله أن يرزقك الإيمان به وحده وترك الشرك الذي أنت عليه
« إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا »
47 بليغا بالبر والإكرام إذ أنقذني من ظلمة الكفر وهداني إلى نور الإيمان ، وجعلني نذيرا لعباده من عذابه ، وبشيرا لهم بثوابه وصيّرني بهم رؤوفا رحيما وعودني أن يجيب دعائي بجزيل كرمه وأفضاله علي ( يقال احتفى بالرجل إذا بالغ في إكرامه واعتنى به ) راجع الآيتين 95 و 187 من سورة الأعراف المارة ، ثم قال مجيبا لزجر أبيه وتحذيره من البقاء معه
« وَأَعْتَزِلُكُمْ »
على جهة التعظيم لأن المخاطب واحد ، وفيه إشارة إلى أنه لم يزل محافظا على أدبه معه مراعيا حقه وان ما صدر منه عليه لم يؤثر في قلبه الطاهر ، وهكذا الأنبياء العارفون لا يمنعهم من القيام بالإرشاد تعدي الناس عليهم
« وَ »
أعتزل أيضا
« ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ »
لأنها أوثان لا تضر ولا تنفع
« وَأَدْعُوا رَبِّي »
وحده لأن يوفقني إلى مهاجر أجد فيه من يسمع نصحي ويجيب دعوتي ويؤمن بربي
« عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي »
خلقه إلى عبادته
« شَقِيًّا »
48 خائبا ضائعا مخذولا ، بل موفقا واجدا أهلا لعبادته ، وفيه تعريض بأنهم يدعون غير اللّه وأنهم يشقون بذلك . واعلم أن الدعاء هنا بمعنى العبادة بدليل الآية بعدها لأنها كالمفسّرة لها ، ويجوز أن يكون على ظاهره ، لأن الدعاء من العبادة ، والعبادة مشتملة على الدعاء ، وفي تصدير الكلام بما ذكر نهاية في إظهار التواضع ومراعاة لحسن الأدب ، وتنبيه على أن الإثابة والإجابة بطريق التفضل من اللّه عزّ وجل لا بطريق الوجوب ، وأن العبرة بالخاتمة وهي من الأمور الغيبية المختصة بعالم الغيب ، ثم هاجر عليه السلام إلى الشام فإلى بيت المقدس ، قال تعالى
« فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ »
بعد أن سمع من أبيه ما سمع وأيس من إيمانه وقومه وخاف على نفسه من القتل
« وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا »
49 وهذا من ألطاف اللّه بأنبيائه وعنايته بهم وعطفه على خلّص عباده وعطائه لهم ، إذ أنه عليه السلام هاجر إلى ربه طريدا فوفقه من هاجر إليه إلى زوجة صالحة ورزقه أولادا وجعلهم أنبياء مثله ، وأنعم عليهم بما