سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا
قال مجاهد : هم أعراب المدينة ، كجهينة ومزينة ، استتبعهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لخروجه إلى مكة ، فقالوا : نذهب معه إلى قوم قد جاءوه ، فقتلوا أصحابه ، فنقاتلهم . فاعتلوا بالشغل . أي سيقولون لك إذا عاتبتهم على التخلف عنك : شغلنا عن الخروج معك معالجة أموالنا ، وإصلاح معايشنا ، والخوف على أهلنا من الضيعة ، فاستغفر لنا ربنا .
وقوله تعالى :
يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
تكذيب لهم في اعتذارهم ، وأن الذي خلفهم ليس بما يقولون ، وإنما هو الشك في اللّه ، والنفاق .
وكذا طلبهم للاستغفار أيضا ، ليس بصادر عن حقيقة ، لأنه بغير توبة منهم . ولا ندم على ما سلف منهم من معصية التخلف . وفيه إيذان بأن اللسان لا عبرة به ، ما لم يكن مترجما عن الاعتقاد الحق .
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً
أي لا أحد يمنعه تعالى من ذلك ، لأنه لا يغالبه غالب . إشارة إلى عدم فائدة استغفاره لهم ، مع بقائهم على كذبهم ونفاقهم ، ولذا هددهم بقوله سبحانه
بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
أي فيجازيكم عليه .
لطيفة :
قال الناصر : لا تخلو الآية من الفن المعروف عند علماء البيان باللف . وكان الأصل - واللّه أعلم - : فمن يملك لكم من اللّه شيئا إن أراد بكم ضرا ، ومن يحرمكم النفع إن أراد بكم نفعا . لأن مثل هذه النظم يستعمل في الضر . وكذلك ورد في الكتاب العزيز مطردا ، كقوله :
فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ
[ المائدة : 17 ] ،
وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
[ المائدة : 41 ] ،
فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ
[ الأحقاف : 8 ] . ومنه
قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في بعض الحديث « 1 » : إني لا أملك لكم شيئا -
يخاطب عشيرته - وأمثاله كثيرة . وسر اختصاصه بدفع المضرة أن الملك مضاف في هذه المواضع باللام ، ودفع المضرة نفع يضاف للمدفوع عنه ، وليس كذلك حرمان المنفعة ، فإنه ضرر عائد عليه ، لا له . فإذا ظهر ذلك ، فإنما انتظمت الآية على هذا الوجه ، لأن القسمين يشتركان في أن كل واحد منهما نفي لدفع المقدر من خير
Footnote
( 1 ) أخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث رقم 350 .