قوله لبديل . فقال له عروة عند ذلك : أي محمد ! أرأيت لو استأصلت قومك ، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك ؟ وإن تكن أخرى ، فو اللّه إني لأرى وجوها ، وأرى أوشابا من الناس ، خليقا أن يفروا ويدعوك ! فقال له أبو بكر : امصص بظر اللات ! أنحن نفر عنه وندعه ! قال : من ذا ؟ قالوا : أبو بكر . قال : أما والذي نفسي بيده ! لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها ، لأجبتك ! وجعل يكلم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكلما كلمه أخذ بلحيته . والمغيرة بن شعبة على رأس النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ومعه السيف ، وعليه المغفر . فكلما أهوى عروة إلى لحية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ضرب يده بنعل السيف وقال : أخّر يدك عن لحية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فرفع عروة رأسه وقال : من ذا ؟ قال : المغيرة بن شعبة . فقال : أي غدر ! أو لست أسعى في غدرتك ؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية . فقتلهم ، وأخذ أموالهم ، ثم جاء فأسلم ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست منه في شيء .
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فو اللّه ! ما تنخم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها جلده ووجهه ، وإذا أمرهم ابتدروا إلى أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له . فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم ! لقد وفدت على الملوك : على كسرى وقيصر والنجاشي ، واللّه ما رأيت ملكا يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمد محمدا . واللّه ! إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له . وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها . فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته . فقالوا : ائته . فلما أشرف على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : هذا فلان ، وهو من قوم يعظّمون البدن ؛ فابعثوها له ، فبعثوها له ، واستقبله القوم يلبّون ، فلما رأى ذلك قال : سبحان اللّه ! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت ، فرجع إلى أصحابه فقال : رأيت البدن قد قلّدت وأشعرت ، وما أرى أن يصدوا عن البيت . فقام مكرز بن حفص ، فقال : دعوني آته .
فقالوا : ائته . فلما أشرف عليهم قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : هذا مكرز بن حفص ، وهو رجل فاجر فجعل يكلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فبينا هو يكلّمه ، إذ جاء سهيل بن عمرو ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : قد سهل لكم من أمركم ، فقال : هات اكتب بيننا وبينكم كتابا . فدعا الكاتب ، فقال : اكتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم . فقال سهيل : أما الرحمن ، فو اللّه ما ندري ما هو ، ولكن اكتب : باسمك اللهم ، كما كنت تكتب . فقال المسلمون : واللّه لا نكتبها إلا باسم اللّه الرحمن الرحيم . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : اكتب : باسمك اللهم . ثم
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحه 490
پدیدآورندگان: محمد جمال الدين القاسمي
ص۴۹۰