Skip to main content

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — Page 48

Contributors:

P.48
إليه ، وكله إلى تدبيره . فكفى به حافظا موكولا إليه كل أمر
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ
قال الزمخشريّ : أي ما جمع اللّه قلبين في جوف ، ولا زوجية وأمومة في امرأة ، ولا بنوّة ودعوة في رجل . والمعنى : إن اللّه سبحانه ، كما لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان قلبين ، لأنه لا يخلو إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب ، فأحدهما فضلة غير محتاج إليها - وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك ، فذلك يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريدا كارها ، عالما ظانّا ، موقنا شاكّا ، في حالة واحدة - لم ير أيضا أن تكون المرأة الواحدة أمّا لرجل زوجا له . لأن الأم مخدومة ، مخفوض لها جناح الذل ، والزوجة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره ، كالمملوكة . وهما حالتان متنافيتان . وأن يكون الرجل الواحد دعيّا لرجل ، وابنا له . لأن البنوة أصالة النسب ، وعراقة فيه ، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا غير . ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلا غير أصيل . وهذا مثل ضربه اللّه في ( زيد بن حارثة ) وهو رجل من كلب سبي صغيرا . وكانت العرب في جاهليتها يتغاورون ويتسابون . فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة . فلما تزوجها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهبته له . وطلبه أبوه وعمه فخيّر . فاختار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأعتقه . وكانوا يقولون ( زيد بن محمد ) فأنزل اللّه هذه الآية . وقوله
ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ
[ الأحزاب : 40 ] . والتنكير في ( رجل ) وإدخال ( من ) الاستغراقية على ( قلبين ) تأكيدان لما قصد من المعنى كأنه قال : ما جعل اللّه لأمة الرجال . ولا لواحد منهم ، قلبين البتة في جوفه . وفائدة ذكر ( الجوف ) كالفائدة في قوله :
الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[ الحج : 46 ] ، وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصوّر والتجلّي للمدلول عليه . لأنه إذا سمع به ، صوّر لنفسه جوفا يشتمل على قلبين فكان أسرع إلى الإنكار . ومعنى ( ظاهر من امرأته ) قال لها : أنت عليّ كظهر أمي . وكان الظهار طلاقا عند أهل الجاهلية . فكانوا يتجنبون المرأة المظاهر منها ، كما يتجنبون المطلقة . وهو في الإسلام يقتضي الطلاق والحرمة إلى أداء الكفارة . قال الأزهريّ : وخصوا ( الظّهر ) ، لأنه محل الركوب . والمرأة تركب إذا غشيت ، فهو كناية تلويحية ، انتقل من الظهر إلى المركوب ، ومنه إلى المغشيّ . والمعنى :