المنبئة لها وعليها ، كما قدم بين يدي قصة المسيح وخلقه من غير أب ، قصة زكريا ، وخلق الولد له ، مع كونه كبيرا ، لا يولد لمثله . وكما قدم بين يدي نسخ القبلة ، قصة البيت وبنائه وتعظيمه والتنويه به ، وذكر بانيه ، وتعظيمه ومدحه . ووطأ قبل ذلك كله بذكر النسخ وحكمته المقتضية له ، وقدرته الشاملة له . وهكذا ما قدم بين يدي مبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من قصة الفيل ، وبشارات الكهان به ، وغير ذلك . وكذلك الرؤيا الصالحة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كانت مقدمة بين يدي الوحي في اليقظة . وكذلك الهجرة ، كانت مقدمة بين يدي الأمر بالجهاد . ومن تأمّل أسرار الشرع والقدر ، رأى من ذلك ما تبهر حكمته أولي الألباب . انتهى . وقوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الفتح ( 48 ) : آية 2 ]
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 2 )
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
قال أبو السعود : غاية للفتح ، من حيث إنه مترتب على سعيه عليه الصلاة والسلام في إعلاء كلمة اللّه تعالى ، بمكابدة مشاقّ الحروف ، واقتحام موارد الخطوب .
ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
أي جميع ما فرط منك ، من ترك الأولى . وتسميته ذنبا ، بالنظر إلى منصبه الجليل .
قال ابن كثير : هذا من خصائصه صلّى اللّه عليه وسلّم التي لا يشاركه فيها غيره . وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال كغيره ، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . وهذا فيه تشريف عظيم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في جميع أموره على الطاعة والبرّ والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه ، لا من الأولين ، ولا من الآخرين . وهو صلّى اللّه عليه وسلّم أكمل البشر على الإطلاق ، وسيدهم في الدنيا والآخرة . ولما كان أطوع خلق اللّه تعالى للّه ، وأشدهم تعظيما لأوامره ونواهيه ، قال حين بركت به الناقة : حبسها حابس الفيل . ثم
قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « والذي نفسي بيده ! لا يسألوني اليوم شيئا يعظمون به حرمات اللّه إلا أجبتهم إليها ، فلما أطاع اللّه في ذلك ، وأجاب إلى الصلح ، قال اللّه تعالى :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً . . .
الآيات » .
وقوله تعالى :
وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
أي بإظهاره إياك على عدوّك ، ورفعه ذكرك .
وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً
أي ويرشدك طريقا من الدين لا عوج فيه . قال أبو السعود : أصل الاستقامة ، وإن كانت حاصلة قبل الفتح ، لكن حصل بعد ذلك من اتضاح سبيل الحق ، واستقامة مناهجه ، ما لم يكن حاصلا قبل .