وقال الناصر : هذا الإضراب في بابه مثل الغاية التي قدمتها آنفا في بابها ، فإنه انتقال إلى موافق ، لكنه أزيد من الأول ، فنزل لزيادته عليه ، مع ما تقدمه مما ينقص عنه ، منزلة المتنافيين ، كالنفي والإثبات اللذين يضرب عن أحدهما للآخر . وذلك أن نسبتهم للآيات إلى أنها مفتريات ، أشدّ وأبعد من نسبتها إلى أنها سحر . فأضرب عن ذلك الأول إلى ذكر ما هو أغرب منه . انتهى .
هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ
أي : تخوضون في حقه من أنه سحر أو إفك
كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
أي : يشهد لي بالصدق بما يؤيدني به من آياته وصدق مواعيده
وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
أي : لمن راجع منكم الكفر وتاب وآمن .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 9 ]
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 9 )
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ
أي : ما كنت أول رسل اللّه التي أرسلها إلى خلقه . قد كان من قبلي له رسل كثيرة أرسلت إلى أمم قبلكم ، فلم تستنكرون بعثتي ، وتستبعدون رسالتي ، كقوله :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
[ آل عمران : 144 ] ، و ( البدع ) كالبديع ، بمعنى الجديد المبتدأ . قال ابن جرير : ومن البدع قول عديّ بن زيد :
فلا أنا بدع من حوادث تعتري * رجالا عرت من بعد بؤسى وأسعد
ومن البديع قول الأحوص :
فخرت فانتمت فقلت : ذريني * ليس جهل أتيته ببديع
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
قال أبو السعود : أي : أيّ شيء يصيبنا فيما يستقبل من الزمان ، من أفعاله تعالى ، وماذا يقدّر لنا من قضاياه . وعن الحسن رضي اللّه عنه : ما أدري ما يصير إليه أمري ، وأمركم في الدنيا . وقيل : يجوز أن يكون المنفي هو الدراية المفصلة . والأظهر أن ( ما ) عبارة عما ليس علمه من وظائف النبوة من الحوادث والواقعات الدنيوية ، دون ما سيقع في الآخرة ، فإن العلم بذلك من وظائف النبوة ، وقد ورد به الوحي الناطق بتفاصيل ما يفعل بالجانبين . انتهى .
وهذا الأظهر يقرب من قول الحسن . وهو ما عول عليه ابن جرير . قال ابن كثير : بل لا يجوز غيره . كيف ؟ وهو صلّى اللّه عليه وسلّم جازم بأنه صائر إلى الجنة ، هو ومن اتبعه