Skip to main content

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — Page 383

Contributors:

P.383
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ
هذا بيان لضلال لهم آخر ، في جدلهم وخصامهم وتعنتهم . وقد استدل المعتزلة بظاهر الآية في أنه تعالى لا يشاء الشرور والمعاصي . وأهل السنة تأوّلوا الآية بما يلاقي العقد الصحيح . وهو عموم مشيئته تعالى لكل شيء ، الناطق به غير ما آية . ولما كانت هذه الآية وأخواتها من معارك الأنظار قديما وحديثا آثرت أن أنقل هنا ما لمحققي المفسرين ، جريا على قاعدتنا في التقاط نفائس ما للمتقدم ، وتحلية مصنفاتنا بها ، فنقول : قال القاشاني : لما سمعوا من الأنبياء تعليق الأشياء بمشيئة اللّه تعالى ، افترضوه وجعلوه ذريعة في الإنكار . وقالوا ذلك لا عن علم وإيقان ، بل على سبيل العناد والإفحام . . ولهذا ردّهم اللّه تعالى بقوله :
ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ
إذ لو علموا ذلك لكانوا موحدين ، لا ينسبون التأثير إلا إلى اللّه . فلا يسعهم إلا عبادته دون غيره . إذ لا يرون حينئذ لغيره نفعا ولا ضرّا
إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
لتكذيبهم أنفسهم في هذا القول بالفعل ، حين عظموهم وخافوهم وخوّفوا أنبياءهم من بطشهم ، كما قال قوم هود
إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ
[ هود : 54 ] ، ولمّا خوّفوا إبراهيم عليه السلام كيدهم ، أجاب بقوله
وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً
[ الأنعام : 80 ] ، إلى قوله
وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ
[ الأنعام : 81 ] ، انتهى . وفي البيضاوي وحواشيه : إن هذا القول استدلال منهم على امتناع النهي عن عبادة غيره تعالى أو على حسنها . يعنون أن عبادتهم الملائكة بمشيئته تعالى . فيكون مأمورا بها أو حسنة . ويمتنع كونها منهيا عنها أو قبيحة . وهذا الاستدلال باطل . لأن المشيئة لا تستلزم الأمر أو الحسن ، لأنها ترجيح بعض الممكنات على بعض ، حسنا كان أو قبيحا . ولذلك جهلهم في استدلالهم هذا . والحاصل أن الإنكار متوجه إلى جعلهم ذلك دليلا على امتناع النهي عن عبادتهم ، أو على حسنها : لا إلى هذا القول . فإنه كلمة حق أريد بها باطل . انتهى . وقال الناصر في ( الانتصاف ) : نحن معاشر أهل السنة نقول : إن كل شيء بمشيئته تعالى ، حتى الضلالة والهدى ، اتباعا لدليل العقل ، وتصديقا لنص النقل . في أمثال قوله تعالى :
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ *
[ النحل : 93 ] و [ فاطر : 8 ] ، وآية الزخرف هذه لا تزيد هذا المعتقد الصحيح إلا تمهيدا ، ولا تفيده إلا تصويبا وتسديدا . فنقول : إذا قال الكافر ( لو شاء اللّه ما كفرت ) فهذه كلمة حق أراد بها باطلا ، أما كونها كلمة حق ، فلما مهدناه . وأما كونه أراد بها باطلا ، فمراد الكافر