يقول المرء ( إني مؤمن ) بمعنى مصدق . كيف ؟ وهو يقول ( قل آمنت باللّه ورسله ) أي صدقت . وأما من قال فقل إنك في الجنة ، فالجواب أننا نقول : إن متنا على ما نحن عليه الآن ، فلا بد لنا من الجنة بلا شك . وبرهان ذلك أنه قد صح من نصوص القرآن والسنة والإجماع ، أن من آمن باللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وبكل ما جاء به ، ولم يأت بما هو كفر ، فإنه في الجنة . إلا أننا لا ندري ما يفعل بنا في الدنيا ، ولا نأمن من مكر اللّه تعالى . ولا إضلاله ، ولا كيد الشيطان ، ولا ندري ماذا نكسب غدا . ونعوذ باللّه من الخذلان . انتهى .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة فصلت ( 41 ) : آية 34 ]
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 )
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
أي لكون الأولى من مقام العقل تجرّ صاحبها إلى الجنة ومصاحبة الملائكة . والثانية من مقام النفس تجر صاحبها إلى النار ومقارنة الشياطين
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
أي ادفع السيئة حيث اعترضتك ، بالتي هي أحسن منها ، وهي الحسنة . على أن المراد بالأحسن الزائد مطلقا . أو بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات . وإنما عدل من مقتضى الظاهر وهو ( ادفع بالحسنة ) إلى الأبلغ - لأن من دفع بالأحسن هان عليه الدفع بما دونه . وهذا الكلام أبلغ في الحمل والحث على ما ذكر . لأنه يومئ إلى أنه مهم ينبغي الاعتناء به والسؤال عنه .
قال القاشاني : أي إذا أمكنك دفع السيئة من عدوك بالحسنة ، التي هي أحسن ، فلا تدفعها بالحسنة التي دونها ، فكيف بالسيئة ؟ فإن السيئة لا تندفع بالسيئة ، بل تزيد وتعلو ارتفاع النار بالحطب . فإن قابلتها بمثلها كنت منحطا إلى مقام النفس ، متبعا للشيطان ، سالكا طريق النار ، ملقيا لصاحبك في الأوزار ، وجاعلا له ولنفسك من جملة الأشرار ، متسببا لازدياد الشر ، معرضا عن الخير . وإن دفعتها بالحسنة ، سكّنت شرارته ، وأزلت عداوته ، وتثبت في مقام القلب على الخير ، وهديت إلى الجنة وطردت الشيطان وأرضيت الرحمن ، وانخرطت في سلك الملكوت ، ومحوت ذنب صاحبك بالندامة ، ثم أشار تعالى إلى علة الأمر وثمرته بقوله :
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ
أي صديق أو قريب
حَمِيمٌ
أي شديد الولاء . وأصل الحميم الماء الشديدة حرارته . كنى به عن الولي المخلص في وده ، لما يجد في نفسه من حرارة الحب والشوق والاهتمام نحو مواليه .