الرابع - دلّ قوله تعالى :
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً
الآية ، على تقدم يمين منه عليه السلام . وقد رووا هنا آثارا في المحلوف عليه ، لم يصح منها شيء ، فاللّه أعلم به ولا ضرورة لبيانه . إذ القصد الإعلام برحمة أخرى ونعمة ثانية عليه ، صلوات اللّه عليه . وهي الدلالة إلى المخرج من الحنث ، برخصة وطريقة سهلة سمحة ترفع الحرج . ونحن نورد هنا أمثل ما كتب في الآية ، إيقافا للقارئ عليه ، قال السيوطي في ( الإكليل ) : أخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وغيرهم ؛ أن أيوب حلف ليجلدن امرأته مائة جلد . فلما كشف اللّه عنه البلاء أمر أن يأخذ ضغثا فيضربها به . فأخذ شماريخ مائة ثم ضربها ضربة واحدة . قال سعيد بن جبير : وهي لهذه الأمة لمن حلف على مثل ما حلف عليه أيوب . ثم أخرج أيضا عن عطاء قال : هي للناس عامة . وعن مجاهد قال : كانت لأيوب خاصة قال الكيا الهراسي : ذهب الشافعي وأبو حنيفة وزفر ، إلى أن من فعل ذلك فقد برّ في يمينه ، وخالف مالك ورآه خاصا بأيوب .
قال : وفي الآية دليل على أن للزوج ضرب زوجته ، وأن يحلف ولا يستثني .
انتهى .
واستدل بهذه الآية على أن الاستثناء شرطه الاتصال . إذ لو لم يشترط لأمره تعالى بالاستثناء ولم يحتج إلى الضرب بالضغث . واستدل عطاء بالآية على مسألة أخرى . فأخرج سعيد بن منصور عنه بسند صحيح ؛ أن رجلا قال له : إني أردت أن لا أكسي امرأتي ذراعا حتى تقف بعرفة . فقال : احملها على حمار ثم اذهب فقف بها بعرفة . فقال : إنما عنيت يوم عرفة . فقال عطاء : وأيوب حين حلف ليجلدن امرأته مائة جلدة ، ما نوى أن يضربها بالضغث ، إنما أمره اللّه أن يأخذ ضغثا فيضربها به .
قال عطاء : إنما القرآن عبر . انتهى كلام ( الإكليل ) .
وقد رد الإمام ابن القيّم في كتابه ( إغاثة اللهفان ) الاستدلال بهذه الآية على جواز الحيلة . وعبارته : وأما قوله تعالى لأيوب عليه السلام
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ
فمن العجب أن يحتج بهذه الآية على من يقول : إنه لو حلف ليضربنه عشرة أسواط فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لم يبرّ في يمينه ، هذا قول أصحاب أبي حنيفة ومالك وأصحاب أحمد . وقال الشافعيّ : إن علم أنها مسته كلها ، برّ في يمينه . وإن علم أنها لم تمسه ، لم يبر . وإن شك لم يحنث . ولو كان هذا موجبا لبرّ الحالف ، لسقط عن الزاني والقاذف والشارب بعدد الضرب ، بأن يجمع له مائة سوط