تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
يشارك بينه وبين غيره فيها . فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد ، جاءت غيرة الخلة تنتزعها من قلب الخليل ، فأمره الجليل بذبح المحبوب . فلما أقدم على ذبحه ، وكانت محبة اللّه أعظم عنده من محبة الولد ، خلصت الخلة حينئذ من شوائب المشاركة ، فلم يبق في الذبح مصلحة . إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم وتوطين النفس فيه ، فقد حصل المقصود ، فنسخ الأمر ، وفدي الذبيح ، وصدق الخليل الرؤيا ، وحصل مراد الرب . ومعلوم أن هذا الامتحان والاختيار . إنما حصل عند أول مولود . ولم يكن ليحصل في المولود الآخر دون الأول . بل لم يحصل عند المولود الآخر من مزاحمة الخلة ، ما يقتضي الأمر بذبحه . وهذا في غاية الظهور . وأيضا فإن سارة امرأة الخليل غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة . فإنها كانت جارية . فلما ولدت إسماعيل وأحبه أبوه اشتدت غيرة سارة . فأمر اللّه سبحانه أن يبعد عنها هاجر وابنها ويسكنها في أرض مكة ، ليبرّد عن سارة حرارة الغيرة . وهذا من رحمته ورأفته . فكيف يأمره سبحانه بعد هذا ، أن يذبح ابنها ، ويدع ابن الجارية بحاله هذا مع رحمة اللّه لها وإبعاد الضرر عنها وخيرته لها . فكيف يأمر بعد هذا بذبح ابنها دون ابن الجارية ؟ بل حكمته البالغة اقتضت أن يأمر بذبح ولد السرية ، فحينئذ يرق قلب الست على ولدها . وتتبدل قسوة الغيرة رحمة ، ويظهر لها بركة هذه الجارية وولدها ، وأن اللّه لا يضيع بيتا ، هذه وابنها منهم ، ويرى عباده جبره بعد الكسر ، ولطفه بعد الشدة . وأن عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم ، إلى ذبح الولد ، آلت إلى ما آلت إليه ، من جعل آثارهما وموطئ أقدامهما مناسك لعبادة المؤمنين ، ومتعبدات لهم إلى يوم القيامة . وهذا سنته تعالى فيمن يريد رفعته من خلقه ، أن يمن عليه بعد استضعافه وذله وانكساره . قال تعالى :
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ
[ القصص : 5 ] ،
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ *
[ الحديد : 21 ] ، انتهى . وقال السيوطي في ( الإكليل ) : واستدل بقوله تعالى بعد
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ
[ الصافات : 112 ] ، من قال إن الذبيح إسماعيل . وهو الذي رجحه جماعة . واحتجوا له بأدلة . منها وصفه بالحلم وذكر البشارة بإسحاق بعده . والبشارة بيعقوب من وراء إسحاق . وغير ذلك ، وهي أمور ظنية لا قطعية ، ثم قال : وتأملت القرآن فوجدت فيه ما يقتضي القطع أو يقرب منه - ولم أر من سبقني إلى استنباطه - وهو أن البشارة وقعت مرتين . مرة في قوله تعالى :
إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي