تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ
أي تجتمع معه في وقت واحد ، وتداخله في سلطانه فتطمس نوره
وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ
أي يسبقه بأن يتقدم على وقته فيدخل قبل مضيّه . أو المراد بالليل والنهار آيتاهما . أي ولا القمر سابق الشمس فيكون عكسا للأول . أي ولا القمر ينبغي له أن يدرك الشمس . والمعنى على هذا ، أن كل واحد منهما لا يدخل على الآخر في سلطانه ، فيطمس نوره ، بل هما متعاقبان بمقتضى تدبيره تعالى ، وعليه فسر إيثار ( سابق ) على ( مدرك ) كما قبله ، هو أن السبق مناسب لسرعة سير القمر . إذ السبق يشعر بالسرعة ، والإدراك بالبطء . وكذلك الشمس بطيئة السير تقطع فلكها في سنة . والقمر يقطعه في شهر . فكانت الشمس لبطئها جديرة بأن توصف بالإدراك . والقمر لسرعته جديرا بأن يوصف بالسبق .

لطيفة :

قال الناصر في ( الانتصاف ) : يؤخذ من هذه الآية أن النهار ، تابع لليل ، وهو المذهب المعروف للفقهاء . وبيانه من الآية أنه جعل الشمس التي هي آية النهار غير مدركة للقمر الذي هو آية الليل . وإنما نفي الإدراك لأنه هو الذي يمكن أن يقع ، وذلك يستدعي تقدم القمر وتبعية الشمس ، فإنه لا يقال ( أدرك السابق اللاحق ) ولكن ( أدرك اللاحق السابق ) وبحسب الإمكان توقيع النفي ، . فالليل إذا متبوع والنهار تابع . فإن قيل : هل يلزم على هذا أن يكون الليل سابق النهار ، وقد صرحت الآية بأنه ليس سابقا ؟ فالجواب أن هذا مشترك الإلزام . وبيانه : أن الأقسام المحتملة ثلاثة : إما تبعية النهار لليل وهو مذهب الفقهاء ، أو عكسه وهو المنقول عن طائفة من النحاة . أو اجتماعهما . فهذا القسم الثالث منفي بالاتفاق . فلم يبق إلا تبعيه النهار لليل وعكسه . وهذا السؤال وارد عليهما جميعا . لأن من قال إن النهار سابق الليل لزمه أن يكون مقتضى البلاغة أن يقال ( ولا الليل يدرك النهار ) فإن المتأخر إذا نفي إدراكه كان أبلغ من سابقه . مع أنه يتناءى عن مقتضى قوله :
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ
تنائيا لا يجمع شمل المعنى باللفظ . فإن اللّه تعالى نفى أن تكون مدركة ، فضلا عن أن تكون سابقة ، فإذا أثبت ذلك ، فالجواب المحقق عنه ، أن المنفيّ السبقية الموجبة لتراخي النهار عن الليل ، وتخلل زمن آخر بينهما . وحينئذ يثبت التعاقب ، وهو مراد الآية . وأما سبق أول المتعاقبين للآخر منهما ، فإنه غير معتبر . ألا ترى إلى جواب موسى بقوله :
هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي
[ طه : 84 ] ، فقد قربهم منه عذرا عن قوله تعالى :