تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
ما تواتر أو صحّ سنده إلى المعصوم ، صحة لا مغمز فيها . وهذا مفقود في الأكثر ، ومنه بحثنا المذكور . فإن تعيين أن البلدة أنطاكية وتسمية الرسل ، إنما روي موقوفا ومنقطعا ، وفي بعض إسناده متهمون . ولذا قد يرد على من يقطع بذلك ما لا مخرج له منه . فالمفسر أحسن أحواله أن يمشي مع التنزيل ، إجمالا فيما أجمله وتفصيلا فيما فصله ، ولا يأخذ من إيضاح مبهماته إلا بما قام عليه قاطع أو كان لا ينبذه العلم الصحيح . وإلا فليعرض عن تسويد وجوه الصحف بذلك ، بل عن تشويهها . والذي حمل السلف على قص ما نحن فيه ، هو تلقيهم له عن مثل كعب ووهب ، وموافقة من في طبقتهما لهما فيه . هذا أولا ، وثانيا شهرة بلدة أنطاكية في ذلك العهد ، لا سيما وقد أسس فيها معبدا أحد رسل عيسى عليه السلام . ثالثا ما جرى في أنطاكية لما قدم ملك الرومان وتهدد كل من أبى عبادة الأوثان بالقتل . وكان في مقدمة الآبين رجل مقدم في المؤمنين . فأراده على الشرك فأبى وجهر بالتوحيد ، فأرسله من أنطاكية موثقا وأمر بأن يطعم للوحوش : فألقى في رومية إلى أسدين كبيرين فابتلعاه . ولما قدم لهما استبشر وتهلل لنيل الشهادة في سبيل اللّه . وكذلك يؤثر عن رجل مؤمن كان يدافع عن المؤمنين في عهد الرومانيين لغيرته وصلاحه . فطلب منه الحاكم أن يرتد فأبى وجهر بوجوب عبادة الإله الواحد ، ونبذ عبادة من لا يضر ولا ينفع . فهدده بأن يضربه من الرأس إلى القدم . فأجاب بأنه مستبشر بنعمة اللّه وكرامته الأبدية . ثم أمر به الحاكم فقتل مع رفقته . والشواهد في هذا الباب لا تحصى . معروفة لمن أعار نظره جانبا مما كتب في تواريخ مبدأ ظهور الأديان ، وما كان يلاقيه من أعدائه ومقاوميه . فللقصة الكريمة هذه مصدقات لا تحصى . رابعا شهرة المرسلين برسل عيسى عليه السلام ، وكانوا انبثوا في البلاد لمحو الوثنية والكف عن الكبائر والشرور التي كانت عليها دولة الرومان وقتئذ . هذا وما ذكره ابن كثير من وقوف عذاب الاستئصال بعد نزول التوراة يحتاج إلى قاطع . وإلا ، فقد خربت كثير من البلاد الأثيمة بعدها ، وتدمرت بتسليط اللّه من شاء عليها . والصيحة أعم من أن تكون صيحة سماوية أو صيحة أرضية ، وهي صيحة من سلط عليهم للانتقام منهم ، حتى أباد ملكهم وقهر صولتهم ومحا من الوجود سلطانهم . وإن كان عذاب الصيحة ظاهره الأول . وبالجملة فنحن يكفينا من النبأ الاعتبار به وفهمه مجملا ، وأما تعيينه ، بوقت ما ، وفئة ما ، فهو الذي ينشأ منه ما ينشأ . وما بنا من حاجة إلى الزيادة عن الاعتبار ، وتخصيص مالا قاطع عليه . الثاني - ذكر الرازيّ في قوله تعالى :
إِذْ أَرْسَلْنا
لطيفة ، إن صح أن الرسل