تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
يتحدث الناس بهم ويتعجبون من نبئهم وكيف مكر اللّه بهم وفرق شملهم بعد الاجتماع والعيش الهني
وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
أي فرّقناهم كل تفريق ، حتى اتخذه الناس مثلا مضروبا . يقولون ( تفرقوا أيادي سبا ، وذهبوا أيدي سبا ) بألف مقصورة . قال الأزهري : العرب لا تهمز سبأ في هذا الموضع . لأنه كثر في كلامهم فاستثقلوا فيه الهمز . وإن كان أصله مهموزا . والذهاب معلوم . والأيادي جمع أيد . والأيدي جمع يد . وهي بمعنى الجارحة ، وبمعنى النعمة ، وبمعنى الطريق ، وهو المراد . قال في التهذيب : قولهم ذهبوا أيدي سبا ، أي متفرقين . شبهوا بأهل سبأ لما مزقهم اللّه في الأرض كل ممزق . فأخذ كل طائفة منهم طريقا على حدة . و ( اليد ) الطريق . يقال : أخذ القوم يد بحر . . فقيل للقوم إذا ذهبوا في جهات مختلفة ( ذهبوا أيدي سبا ) أي فرقتهم طرقهم التي سلكوها ، كما تفرق أهل سبا في مذاهب شتى . قال ابن مالك : إنه مركب تركيب خمسة عشر ، مبنيّا على السكون . وفي ( زهر الأكم ، في الأمثال والحكم ) أن سبا كانت أخصب بلاد اللّه . كما قال تعالى :
جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ
قيل كانت مسافة شهر للراكب المجدّ . يسير الماشي في الجنان من أولها إلى آخرها لا يفارقه الظل مع تدفق الماء وصفاء الأنهار واتساع الفضاء . فمكثوا مدة في أمن لا يعاندهم أحد إلا قصموه . وكانت في بدء الأمر تركبها السيول . فجمع لذلك حمير أهل مملكته وشاورهم . فاتخذوا سدّا في بدء جريان الماء ورصفوه بالحجارة والحديد ، وجعلوا فيه مخارق للماء . فإذا جاءت السيول انقسمت على وجه يعمهم نفعه في الجنات والمزروعات . فلما كفروا نعم اللّه تعالى ، ورأوا أن ملكهم لا يبيده شيء ، وعبدوا الشمس ، سلط اللّه على سدّهم فأرة فخرقته . وأرسل عليهم السيل فمزقهم اللّه كل ممزق . وأباد خضراءهم . وتبددوا في البلاد . فلحق الأزد بعمان . وخزاعة ببطن مرّ . والأوس والخزرج بيثرب . وآل جفنة بأرض الشام . وآل جذيمة الأبرش بالعراق . و قد روى الإمام أحمد عن ابن عباس ، أن رجلا سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن سبأ ما هو ؟ أرجل أم امرأة ؟ أم أرض ؟ قال صلّى اللّه عليه وسلّم : بل هو رجل ولد له عشرة . فسكن اليمن منهم ستة . وبالشام منهم أربعة . فأما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير . وأما الشامية فلخم وجذام وعاملة وغسان . قال ابن كثير : وإسناده حسن إلا ابن لهيعة . روى الإمام أحمد أيضا عن فروة بن مسيك رضي اللّه عنه قال : أتيت رسول اللّه