تشبيه المفرد ، لأن المقصود بيان حال العابد والمعبود . وفي الآية لطائف بيانية ذكرت في المطولات . وقوله :
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
بالياء والتاء في ( تدعون ) قراءتان . و ( ما ) إما استفهامية منصوبة ب ( يدعون ) و ( من ) الثانية للتبيين . أو نافية و ( من ) مزيدة . و ( شيء ) مفعول ( تدعون ) أو مصدرية بمعنى الدعوة و ( شيء ) مصدر بمعناه أيضا . أو موصولة مفعول ل ( يعلم ) ومفعول ( يدعون ) عائده المحذوف . والكلام على الأولين تجهيل لهم وتوكيد للمثل . وعلى الآخرين وعيد لهم . أفاده القاضي
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ
يعني هذا المثل ونظائره في التنزيل
نَضْرِبُها لِلنَّاسِ
أي ليقرب ما بعد من أفهامهم . فإن الأمثال والتشبيهات طرق تبرز فيها المعاني المحتجبة للأفهام
وَما يَعْقِلُها
أي يدرك حسنها وفوائدها
إِلَّا الْعالِمُونَ
أي الراسخون في العلم الكاملون فيه . وعن عمرو بن مرة قال : ما مررت بآية من كتاب اللّه لا أعرفها ، إلا أحزنني . لأني سمعت اللّه تعالى يقول :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
أي محقّا مراعيا للحكم والمصالح ، مقدسا عن أن يقصد به باطلا .
فالباء للملابسة ، والجار والمجرور حال . وهذا كقوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
[ الدخان : 38 ] ،
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
.
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 45 إلى 46 ]
اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ( 45 ) وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 46 )
اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ
أي تقربا إلى اللّه تعالى بقراءته ، وتحفظا لألفاظه ، واستكثارا لما في تضاعيفه من المعاني . فإن القارئ المتأمل قد ينكشف له بالتكرار ما لم ينكشف له أول ما قرع سمعه . وتذكيرا للناس ، وحملا لهم على العمل بما فيه ، من الأحكام ومحاسن الآداب ومكارم الأخلاق
وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
أي تكون سببا للانتهاء عن ذلك . ففيه تجوز في الإسناد . فإن قلت : كم من مصلّ يرتكب ولا تنهاه صلاته ! قلت : الصلاة التي هي الصلاة عند اللّه ، المستحق بها الثواب ، أن يدخل فيها مقدما للتوبة النصوح متقيا ، لقوله تعالى :
إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
ويصليها خاشعا بالقلب والجوارح . ثم يحوطها بعد