وتحري إجادة . ولا يسمى كل عمل صناعة ، ولا كل عامل صانعا حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه . وقوله
الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
كالبرهان على إتقانه ، والدليل على إحكام خلقته ، وتسوية مروره على ما ينبغي . لأن إتقان كل شيء ، يتناول إتقانه .
فهو تثنية للمراد وتكرير له ، كقوله تعالى :
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
[ آل عمران : 97 ] ، قال : وقد اشتملت هذه الآية على وجوه من التأكيد ، وأنحاء من المبالغة . فمن ذلك تعبيره ( بالصنع ) الذي هو الفعل الجميل المتقن المشتمل على الحكمة . وإضافته إليه تعالى تعظيما له وتحقيقا لإتقانه وحسن أعماله . ثم توصيفه سبحانه بإتقان كل شيء ، ومن جملته هذا المرور . ثم إيراده بالجملة الاسمية الدالة على دوام هذه الحالة واستمرارها مدى الدهور . ثم التقييد بالحال ، لتدل على أنها لا تنفك عنها دائما . فإن قوله تعالى :
وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
حال من المفعول به ، وهو الجبال . ومعمول لفعله الذي هو رؤيتها على تلك الحال .
فهذه الآية صريحة في دلالتها على حركة الأرض ومرور الجبال معها في هذه النشأة . وليس يمكن حملها على أن ذلك يقع في النشأة الآخرة ، أو عند قيام الساعة وفساد العالم وخروجه عن متعاهد النظام . وأن حسبانها جامدة لعدم تبين حركة كبار الإجرام إذا كانت في سمت واحد . فإن ذلك لا يلائم المقصود من التهويل على ذلك التقدير . على أن ذلك نقض وإهدام ، وليس من صنع وإحكام . قال : والعجب من حذاق العلماء المفسرين ، عدم تعرضهم لهذا المعنى ، مع ظهوره واشتمال الكتب الحكمية على قول بعض القدماء . مع أنه أولى وأحق من تنزيل محتملات كتاب اللّه على القصص الواهية الإسرائيلية ، على ما شحنوا بها كتبهم . وليس هذا بخارج عن قدرة اللّه تعالى ، ولا بعيد عن حكمته ، ولا القول به بمصادم للشريعة والعقيدة الحقة ، بعد أن تعتقد أن كل شيء حادث بقدرة اللّه تعالى وإرادته وخلقه بالاختيار ، كائنا ما كان ، وهو العليّ الكبير ، وعلى ما يشاء قدير .
واعلم أن هذه الآية وما قبلها من قوله تعالى :
أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ
الآية .
اعتراض في تضاعيف ما ساقه من الآيات الدالة على أحوال الحشر وأهوال القيامة ، كاعتراض توصية الإنسان بوالديه في تضاعيف قصة لقمان . ومثل ذلك ليس بعزيز في القرآن .
وفائدته هنا ، التنبيه على سرعة تقضّي الآجال ومضيّ الآماد . والتهويل من هجوم ساعة الموت وقرب ورود وقت المعاد . فإن انقضاء الأزمان ، وتقضي الأوان ، إنما هو بالحركة اليومية المارّة على هذه السرعة المنطبقة على أحوال الإنسان . وهذا