تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
يتبعهم الغاوون ، وتقرير له . أي ألم تر أنهم في كل واد من أودية الخيال يهيمون على وجوههم ، لا يقفون عند حدّ معيّن ، بل يركبون للباطل والكذب وفضول القول كل مركب . ديدنهم الهجاء ، وتمزيق الأعراض ، والقدح في الأنساب ، والنسيب بالحرم والغزل والابتهار . ومدح من لا يستحق المدح ، والغلوّ في الثناء والهجاء .

لطيفة :

في ذكر الوادي والهيام ، تمثيل لذهابهم في شعب القول وفنونه وطرقه وشجونه . قال ابن الأثير : استعار الأودية للفنون والأغراض من المعاني الشعرية التي يقصدونها . وإنما خص الأودية بالاستعارة ، ولم يستعر الطرق والمسالك ، أو ما جرى مجراها - لأن معاني الشعر تستخرج بالفكرة والروية ، والفكرة والروية فيهما خفاء وغموض . فكان استعارة الأودية لها أشبه وأليق .
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
أي مما يتبجحون به من أقوال وأفعال لم تصدر منهم ولا عنهم ، كناية عن أنهم يكذبون غير مبالين بما يستتبعه من اللوائم . أي فكيف يتوهم أن يتبعهم في مسلكهم ذلك ، ويلتحق بهم وينتظم في سلكهم ، من تنزّهت ساحته عن أن يحوم حولها شائبة الاتصاف بشيء من الأمور المذكورة ، واتصف بمحاسن الصفات الجليلة ، وتخلق بمكارم الأخلاق الجميلة ، وحاز جميع الكمالات القدسية ، وفاز بجملة الملكات الإنسية ، مستقرّا على المنهاج القويم ، مستمرّا على الصراط المستقيم ، ناطقا بكل أمر رشيد ، داعيا إلى صراط العزيز الحميد ، مؤيدا بمعجزات قاهرة ، وآيات ظاهرة ، مشحونة بفنون الحكم الباهرة ، وصنوف المعارف الزاهرة ، مستقلة بنظم رائق ، أعجز كل منطيق ماهر ، وبكّت كل مفلق ساحر ! قاله أبو السعود .

تنبيه :

قال الحافظ ابن كثير : اختلف العلماء فيما إذا اعترف الشاعر في شعره بما يوجب حدّا . هل يقام عليه بهذا الاعتراف أم لا ؟ لأنهم يقولون ما لا يفعلون - على قولين : وقد ذكر محمد بن إسحاق ومحمد بن سعد « 1 » في ( الطبقات ) والزبير بن بكار في كتاب ( الفكاهة ) أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه استعمل النعمان بن عديّ بن نضلة على ميسان ، من أرض البصرة . وكان يقول الشعر ، فقال :
هامش
( 1 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات ، 4 / 140 ، في ترجمة عدي بن نضلة .