تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
لفظه ، وكل هذا عدول عن موجب الدليل . وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب ( الرؤية ) له إجماع الصحابة على أنه لم ير ربّه ليلة المعراج . وبعضهم استثنى ابن عباس فيمن قال ذلك . وشيخنا يقول : ليس ذلك بخلاف في الحقيقة . فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه ، وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين حيث قال : إنه صلى اللّه عليه وسلم رآه عزّ وجلّ . ولم يقل بعيني رأسه . ولفظ أحمد لفظ ابن عباس رضي اللّه عنهما . ويدل على صحته ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر رضي اللّه عنه : قوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الآخر ( حجابه النور ) فهذا النور ، واللّه أعلم . النور المذكور في حديث أبي ذرّ رضي اللّه عنه ( رأيت نورا ) . ثم قال ابن القيم : وقوله تعالى :
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ
هذا مثل لنوره في قلب عبده المؤمن . كما قال أبيّ بن كعب وغيره : وقد اختلف في الضمير في ( نوره ) فقيل هو النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . أي مثل نور محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقيل : مفسره المؤمن . أي مثل نور المؤمن . والصحيح أن يعود على اللّه تعالى . والمعنى : مثل نور اللّه سبحانه في قلب عبده . وأعظم عباده نصيبا من هذا النور رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فهذا ، مع ما تضمنه عود الضمير المذكور - وهو وجه الكلام - يتضمن التقادير الثلاثة ، وهو أتم لفظا ومعنى . وهذا النور يضاف إلى اللّه تعالى . إذ هو معطيه لعبده وواهبه إياه . ويضاف إلى العبد . إذ هو محله وقابله . فيضاف إلى الفاعل والقابل . ولهذا النور فاعل وقابل ، ومحل وحامل ، ومادة . وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل . فالفاعل وهو اللّه تعالى مفيض الأنوار . الهادي لنوره من يشاء . والقابل : العبد المؤمن . والمحل : قلبه . والحامل : همته وعزيمته وإرادته . والمادة : قوله وعمله . وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية ، فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن ، بما أناله من نوره ، ما تقرّ به عيون أهله وتبتهج به قلوبهم . وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان : إحداهما طريقة التشبيه المركب وهي أقرب مأخذا وأسلم من التكلف . وهي أن تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن ، من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه ، ومقابلته بجزء من المشبه به . وعلى هذا عامة أمثال القرآن . فتأمل صفة المشكاة ، وهي كوة تنفذ لتكون أجمع للضوء ، قد وضع فيها مصباح ، وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدريّ في صفائها وحسنها . ومادته من أصفى الأدهان وأتمها وقودا ، من زيت شجرة في وسط القراح ، لا شرقية ولا غربية ، بحيث