تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
أهل السماوات والأرض . فبنوره اهتدى أهل السماوات والأرض . وهذا إنما هو فعله . وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به . ومنه اشتق له اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى . والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين . إضافة صفة إلى موصوفها ، وإضافة مفعول إلى فاعله . فالأول كقوله عزّ وجلّ
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها
[ الزمر : 69 ] ، فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى ، إذا جاء لفصل القضاء . ومنه قول النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم في الدعاء المشهور : « أعوذ بنور وجهك الكريم أن تضلني لا إله إلا أنت » . وفي الأثر الآخر : أعوذ بوجهك - أو بنور وجهك - الذي أشرقت له الظلمات . فأخبر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . أن الظلمات أشرقت لنور وجه اللّه . كما أخبر تعالى أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره . وفي ( معجم الطبرانيّ ) و ( السنة ) له و ( كتاب عثمان الدارمي ) وغيرها ، عن ابن مسعود رضي اللّه عنه . قال : ليس عند ربكم ليل ولا نهار ، نور السماوات والأرض من نور وجهه . وهذا الذي قاله ابن مسعود رضي اللّه عنه أقرب إلى تفسير الآية ، من قول من فسرها بأنه هادي أهل السماوات والأرض . وأما من فسرها بأنه منوّر السماوات والأرض ، فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود . والحق أنه نور السماوات والأرض بهذه الاعتبارات كلها . وفي صحيح « 1 » مسلم وغيره من حديث أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال : « قام فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخمس كلمات فقال : إن اللّه لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل . حجابه النور . لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » . و في صحيح « 2 » مسلم عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « هل رأيت ربك ؟ قال : نور ، أنّى أراه » . فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه تعالى يقول : معناه كان ثمة نور ، وحال دون رؤيته نور ، فأنى أراه ؟ قال : ويدل عليه أن في بعض الألفاظ الصحيحة : هل رأيت ربك ؟ فقال : رأيت نورا . وقد أعضل أمر هذا الحديث على كثير من الناس حتى صحفه بعضهم فقال : نورانيّ أراه . على أنها ياء النسب ، والكلمة كلمة واحدة . وهذا خطأ لفظا ومعنى . وإنما أوجب لهم هذا الإشكال والخطأ أنهم لما اعتقدوا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى ربه ، وكان قوله ( أنّى أراه ) كالإنكار للرؤية ، حاروا في الحديث ، ورده بعضهم باضطراب
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث رقم 293 . ( 2 ) أخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث رقم 291 .