تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 42 ]

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ( 42 )
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ
أي بإهلاكه فلم يبق له فيها ثمرة . قال الزمخشريّ : ( أحيط به ) عبارة عن إهلاكه . وأصله من ( من أحاط به العدو ) لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه . ثم استعمل في كل إهلاك ومنه قوله تعالى
إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ
[ يوسف : 66 ] . ومثله قولهم : ( أتى عليه ) إذا أهلكه . من ( أتى عليهم العدو ) إذا جاءهم مستعليا عليهم . يعني إنه استعارة تمثيلية . شبه إهلاك جنتيه بما فيهما ، بإهلاك قوم بجيش عدو أحاط بهم وأوقع بهم بحيث لم ينج أحد منهم . كما أن ( أتى عليهم ) بمعنى أهلكهم ، استعارة أيضا ، من إتيان عدو غالب مستعل عليهم بالقهر
فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها
أي فعيّر نفسه أكثر من تعييره صاحبه وتعيير صاحبه إياه . قال الزمخشريّ : تقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر . لأن النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن . كما كني عن ذلك بعضّ الكف ، والسقوط في اليد . ولأنه في معنى الندم ، عدّي تعديته ب ( على ) كأنه قيل فأصبح يندم على ما أنفق فيها ، أي في عمارتها . فيكون ظرفا لغوا . ويجوز كونه ظرفا مستقرّا متعلقه خاص ، وهو حال . أي متحسرا . والتحسر الحزن . وهو أخص من الندم . لأنه - كما قال الراغب - الغم على ما فات
وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
أي ساقطة عليها . و ( العروش ) جمع عرش وهو ما يصنع ليوضع عليه شيء . فإذا سقط سقط ما عليه . يعني أن كرومها المعروشة ، سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم ، بحيث قاربت أن تصير صعيدا زلقا
وَيَقُولُ
عطف على ( يقلب )
يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً
أي من الأوثان . وذلك أنه تذكر موعظة أخيه فعلم أنه أتي من جهة شركه وطغيانه . فتمنى لو لم يكن مشركا حتى لا يهلك اللّه بستانه .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 43 ]

وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً ( 43 )
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ
أي منعة وقوم
يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي يقدرون على نصرته من دون اللّه ، كما افتخر بهم واستعز على صاحبه
وَما كانَ مُنْتَصِراً
أي ممتنعا بنفسه وقوته عن انتقام اللّه .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 36 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود