تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
ولهذا لما صارت شبهة ، استشار النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في طلاقها . إذ لا يصلح له أن تكون امرأته غير طيبة ، وقد روي « 1 » أنه ( لا يدخل الجنة ديوث ) وهو الذي يقر السوء في أهله ، ولهذا كانت الغيرة على الزنى مما يحبها اللّه وأمر بها . حتى قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « 2 » : أتعجبون من غيرة سعد ؟ لأنا أغير منه ، واللّه أغير مني ، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، . ولهذا أذن اللّه للقاذف إذا كان زوجا ، أن يلاعن ، لأجل ما أمر به من الغيرة ، ولأنها أفسدت فراشه ، وإن حبلت من الزنى ، فعليه اللعان ، لئلا يلحق به من ليس منه . ومضت السنّة بالتفريق بينهما ، سواء حصلت الفرقة بالتلاعن أو بحاكم أو عند انقضاء لعان الزوج . لأن أحدهما ملعون أو خبيث . فاقترانهما يقتضي مقارنة الخبيث للطّيب . وفي صحيح مسلم « 3 » من حديث عمران في الناقة التي لعنتها المرأة ، أنه أمر فأخذ ما عليها وأرسلت . وقال : لا تصحبنا ناقة ملعونة . ولما اجتاز بديار ثمود قال « 4 » : لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين . لئلا يصيبكم ما أصابهم . فنهى عن عبور ديارهم إلا على وجه الخوف المانع من العذاب . وهكذا السنة في مقارنة الظالمين والزناة وأهل البدع والفجور وسائر المعاصي . لا ينبغي لأحد أن يقارنهم ويخالطهم إلا على وجه يسلم به من عذاب اللّه عزّ وجلّ ، وأقل ذلك أن يكون منكرا لظلمهم ، ماقتا لهم شانئا ما هم فيه بحسب الإمكان . كما في قوله « 5 » : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده إلخ . وقال تعالى :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ
[ التحريم : 11 ] الآية ، وكذلك ما ذكره عن يوسف وعمله لصاحب مصر لقوم كفار . وذلك أن مقارنة الكفار إنما يفعلها المؤمن في موضعين : أحدهما : أن يكون مكرها عليها . والثاني : أن يكون في ذلك مصلحة دينية ، راجحة على مفسدة المقارنة ، أو أن يكون في تركها مفسدة راجحة في دينه فيدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما ، وتحصل المصلحة الراجحة باحتمال المفسدة المرجوحة . وفي الحقيقة : المكره هو من يدفع الفساد باحتمال أدناهما . وهو الأمر الذي أكره عليه قال تعالى :
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
هامش
( 1 ) أخرجه النسائي في : الزكاة ، 69 - باب المنان بما أعطى . ( 2 ) أخرجه البخاري في : النكاح ، 107 - باب الغيرة . ( 3 ) أخرجه مسلم في : البر والصلة والآداب ، حديث رقم 80 . ( 4 ) أخرجه البخاري في : الصلاة ، 53 - باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب ، حديث 284 ، عن ابن عمر . ( 5 ) أخرجه مسلم في : الإيمان . حديث 78 ، عن أبي سعيد .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 348 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود