تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
قال الحافظ ابن حجر : روى سعيد بن منصور من طريق حصين بن عبد الرحمن قال : رأيت رجلا جلد حدّا في قذف بالزنى . فلما فرغ من ضربه أحدث توبة . فلقيت أبا الزناد فقال لي : الأمر عندنا بالمدينة ؛ إذا رجع القاذف عن قوله ، فاستغفر ربه ، قبلت شهادته وعلّقه البخاريّ . الخامس : ننقل هنا ما أجمله السيوطيّ في ( الإكليل ) مما يتعلق بأحكام الآية . قال رحمه اللّه : في هذه الآية تحريم القذف ، وأنه فسق ، وأن القاذف لا تقبل شهادته ، وأنه يجلد ثمانين إذا قذف محصنة أي عفيفة . ومفهومه أنه إذا قذف من عرفت بالزنى لا يحد للقذف . ويصرح بذلك قوله
ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
وفيها أن الزنى لا يقبل فيه إلا أربعة رجال ، لا أقل . ولا نساء . وسواء شهدوا مجتمعين أو متفرقين . واستدل بعموم الآية من قال : يحدّ العبد أيضا ثمانين . ومن قال : يحد قاذف الكافر والرقيق وغير البالغ والمجنون وولده . واحتج بها على أن من قذف نفسه ثم رجع لا يحدّ لنفسه . لأنه لم يرم أحدا واستدل بها من قال : إن حد القذف من حقوق اللّه ، فلا يجوز العفو عنه . انتهى . ثم رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه ، تحقيقا في بحث قبول الشهادة بعد التوبة ، جديرا بأن يؤثر . قال رحمه اللّه : وقوله تعالى
وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً
نصّ في أن هؤلاء القذفة لا تقبل شهادتهم أبدا . واحدا كانوا أو عددا . بل لفظ الآية ينتظم العدد على سبيل الجمع والبدل ، لأنها نزلت في أهل الإفك باتفاق أهل العلم والحديث والفقه والتفسير . وكان الذين قذفوا عائشة عددا ، ولم يكونوا واحدا لما رأوها قدمت صحبة صفوان بن المعطل ، بعد قفول العسكر ، وكانت قد ذهبت تطلب قلادة لها فقدت ، فرفعوا هودجها معتقدين أنها فيه لخفتها ، ولم تكن فيه . فلما رجعت لم تجد أحدا فمكثت مكانها . وكان صفوان قد تخلف وراء الجيش . فلما رآها أعرض بوجهه عنها وأناخ راحلته حتى ركبتها . ثم ذهب إلى العسكر فكانت خلوته بها للضرورة . كما يجوز للمرأة أن تسافر بلا محرم للضرورة كسفر الهجرة مثل ما قدمت أم كلثوم بنت عقبة مهاجرة ، وقصة عائشة . ودلت الآية على أن القاذفين لا تقبل شهادتهم مجتمعين ولا متفرقين . ودلت الآية على أن شهادتهم بعد التوبة مقبولة كما هو مذهب الجمهور . فإنه كان من جملتهم مسطح وحسان وحمنة . ومعلوم أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يردّ شهادة أحد منهم ، ولا المسلمون بعده لأنهم كلهم تابوا لما نزل القرآن ببراءتها . ومن لم يتب حينئذ ، فإنه