تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
من ذلك . بل الرأفة به أن يعان على شرب الدواء وإن كان كريها ، مثل الصلاة وما فيها من الأذكار والدعوات وأن يحمى عما يزيد علته . ولا يظن أنه إذا استمتع بمحرم يسكن بلاؤه . بل ذلك يوجب له زيادة في البلاء . فإنه وإن سكن ما به عقيب استمتاعه ، أعقبه ذلك مرضا عظيما لا يتخلص منه ، بل الواجب دفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما قبل استحكام الداء . ومن المعلوم أن ألم العلاج النافع أيسر من ألم المرض الباقي . وبهذا يتبين أن العقوبات الشرعية أدوية نافعة . وهي من رأفة اللّه بعباده ، الداخلة في قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] ، فمن ترك هذه الرحمة النافعة ، لرأفة بالمريض ، فهو الذي أعان على عذابه ، وإن كان لا يريد إلا الخير ، إذ هو في ذلك جاهل أحمق ، كما يفعله بعض النساء بمرضاهن وبمن يربينهن من أولادهن في ترك تأديبهم على ما يأتونه من الشر ويتركونه من الخير . ومن الناس من تأخذه الرأفة بهم لمشاركته لهم في ذلك المرض وبرودة القلب والدياثة . وهو في ذلك من أظلم الناس وأديثهم في حق نفسه ونظرائه . وهو بمنزلة جماعة مرضى قد وصف لهم الطبيب ما ينفعهم ، فوجد كبيرهم مرارته ، فترك شربه . ونهى عن سقيه للباقين . ومنهم من تأخذه الرأفة لكون أحد الزانيين محبوبا له . إما لقرابة أو مودة أو إحسان ، أو لما يرجوه منه ، أو لما في العذاب من الألم الذي يوجب رقة القلب . ويتأوّل « 1 » ( إنّما يرحم اللّه من عباده الرّحماء ) وليس كما قال . بل ذلك وضع الشيء في غير موضعه . بل قد ورد « 2 » ( لا يدخل الجنة ديوث ) فمن لم يكن مبغضا للفواحش كارها لها ولأهلها ، ولا يغضب عند رؤيتها وسماعها ، لم يكن مريدا للعقوبة عليها . فيبقى العذاب عليها يوجب ألم قلبه ، قال تعالى :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
الآية . في دين اللّه هو طاعته وطاعة رسوله . المبنيّ على محبته ومحبة رسوله ، وأن يكون اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما . فإن الرأفة والرحمة يحبهما اللّه ما لم تكن مضيعة لدين اللّه . فالرحمة مأمور بها بخلاف الرأفة في دين اللّه . والشيطان يريد من الإنسان الإسراف في أموره كلها . فإنه إن رآه مائلا إلى الرحمة ، زيّن له الرحمة حتى لا يبغض ما أبغضه اللّه ، ولا يغار ، . وإن رآه مائلا إلى الشدة ، زيّن له الشدة في غير ذات اللّه ، فيزيد في الذم والبغض والعقاب على ما
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : الجنائز ، 33 - باب قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه » ، حديث رقم 682 ، عن أسامة بن زيد . ( 2 ) أخرجه النسائي في : الزكاة ، 69 - باب المنان بما أعطى ، عن ابن عمر ، ونصه : ثلاثة لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه ، والمرأة المترجلة ، والديوث . . إلخ .