تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النور ( 24 ) : آية 1 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 1 )
سُورَةٌ أَنْزَلْناها
خبر محذوف . أي هذه السورة . والتنكير للتفخيم
وَفَرَضْناها
أي أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجابا قطعيّا
وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
أي تتذكرونها فتعملون بموجبها . قال الإمام ابن تيمية رحمه اللّه ، في تفسير هذه الآيات : هذه السورة فرضها تعالى بالبينات والتقدير والحدود ، التي من يتعد حلالها إلى الحرام فقد ظلم نفسه . ومن قرب من حرامها فقد اعتدى وتعدى الحدود . وبيّن فيها فرض العقوبة وآية الجلد وفريضة الشهادة على الزنى وفريضة شهادة المتلاعنين . كل منهما يشهد أربع شهادات باللّه . ونهى فيها عن تعدي حدود اللّه في الفروج والأعراض والعورات وطاعة ذي السلطان . سواء كان في منزله أو ولايته . ولا يخرج ولا يدخل إلا بإذنه . إذ الحقوق نوعان : نوع للّه فلا يتعدى حدوده ، ونوع للعبادة فيه أمر فلا يفعل إلا بإذن المالك ، فليس لأحد أن يفعل شيئا في حق غيره إلا بإذن اللّه . وإن لم يأذن المالك فإذن اللّه هو الأصل ، وإذن المالك حيث أذن اللّه وجعل له الإذن فيه . ولهذا ضمنها الاستئذان في المساكن والمطاعم وفي الأمور الجامعة . كالصلاة والجهاد ونحوهما . ووسطها بذكر النور الذي هو مادة كل خير وصلاح كل شيء . وهو ينشأ عن امتثال أمر اللّه واجتناب نهيه ، وعن الصبر على ذلك ، فإنه ضياء . فإن حفظ الحدود بتقوى اللّه ، يجعل لصاحبه نورا . كما قال تعالى :
اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ . . .
[ الحديد : 28 ] الآية . فضدّ النور الظلمة ، ولهذا عقب ذكر النور وأعمال لمؤمنين بأعمال الكفار . وأهل البدع والضلال . فقال :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ
[ النور : 39 ] الآية ، إلى قوله :
أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ . . .
[ النور : 40 ] الآية ، وكذلك الظلم ظلمات يوم القيامة . وظلم العبد نفسه من الظلم . فإن للسيئة ظلمة في القلب ، وسوادا في الوجه ، ووهنا في البدن ، ونقصا