لأعمالهم ، مطلع عليها ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور . ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر ، جعل الأمر بغضّه مقدما على حفظ الفرج . فإن الحوادث مبدؤها من النظر . كما أن معظم النار مبدؤها من مستصغر الشرر . ثم تكون نظرة ، ثم تكون خطرة ، ثم خطوة ، ثم خطيئة . ولهذا قيل : من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه :
اللحظات ، والخطرات ، واللفظات ، والخطوات . فينبغي للعبد أن يكون بوّاب نفسه على هذه الأبواب الأربعة . ويلازم الرباط على ثغورها . فمنها يدخل عليه العدوّ ، فيجوس خلال الديار ويتبروا ما علوا تبيرا .
الثاني - روي عن الإمام أحمد أنه قال : لا أعلم بعد القتل ذنبا أعظم من الزنى .
واحتج
بحديث عبد اللّه « 1 » بن مسعود أنه قال : يا رسول اللّه أيّ الذنب أعظم ؟ قال :
أن تجعل للّه ندّا وهو خلقك قال قلت : ثم أيّ ؟ قال : أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك . قال قلت : ثم أيّ ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك
. والنبيّ صلى اللّه عليه وسلم ذكر من كل نوع أعلاه ليطابق جوابه سؤال السائل . فإنه سئل عن أعظم الذنب فأجابه بما تضمن ذكر أعظم أنواعه وما هو أعظم كل نوع ، فأعظم أنواع الشرك أن يجعل العبد للّه ندّا .
وأعظم أنواع القتل أن يقتل ولده خشية أن يشاركه في طعامه وشرابه . وأعظم أنواع الزنى أن يزني بحليلة جاره . فإن مفسدة الزنى تتضاعف بتضاعف ما انتهكه من الحق . فالزنى بالمرأة التي لها زوج ، أعظم إثما وعقوبة من الزنى بالتي لا زوج لها إذا فيه انتهاك حرمة الزوج وإفساد فراشه ، وتعليق نسب عليه ، لم يكن منه ، وغير ذلك من أنواع أذاه . فهو أعظم إثما وجرما من الزنى بغير ذات الزوج فإذا كان زوجها جارا له ، انضاف إلى ذلك سوء الجوار ، وأذى جاره بأعلى أنواع الأذى . وذلك من أعظم البوائق .
وقد ثبت عن النبيّ « 2 » صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه .
ولا بائقة أعظم من الزنى بامرأته
. فالزنى بمائة امرأة لا زوج لها أيسر عند اللّه من الزنى بامرأة الجار . فإن كان الجار أخا له ، أو قريبا من أقاربه ، انضم إلى ذلك قطيعة الرحم ، فيتضاعف الإثم . فإن كان الجار غائبا في طاعة اللّه ، كالصلاة وطلب العلم والجهاد ، تضاعف الإثم . فإن اتفق أن تكون المرأة رحما منه ، انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : تفسير القرآن ، 2 - سورة البقرة ، 3 - باب قوله تعالى :فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، حديث 1962 .
( 2 ) أخرجه البخاري في : الأدب ، 39 - باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه ، حديث قم 2326 ، عن أبي شريح .