تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
مصداقه ، بإعزاز المنبئ عنه ، وإيراثه ملك جاحده بقوله تعالى :
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
أي العاملون بطاعته . المنتهون إلى أمره ونهيه . دون العاملين منهم بمعصيته ، المؤثرين طاعة الشيطان على طاعته . و ( الزبور ) علم على كتاب داود عليه السلام ، ويقال : المراد به كل كتاب منزل . والذكر - قالوا - التوراة أو أم الكتاب . يعني اللوح الذي كتب فيه كل شيء قبل الخلق ، واللّه أعلم . وقوله تعالى :
إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ
إشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة . أو إلى العبرة في إيراث الأرض الصالحين ودحر المجرمين . و ( البلاغ ) الكفاية . وقوله
لِقَوْمٍ عابِدِينَ
أي يعبدون اللّه ، بما شرعه وأحبه ورضيه . ويؤثرون طاعته على طاعة الشياطين وشهوات النفس
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
أي وما أرسلناك بهذه الحنيفية والدين الفطريّ ، إلا حال كونك رحمة للخلق ، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين . وفي جعله نفس الرحمة مبالغة جلية . وجوز كون ( رحمة ) مفعولا له . أي للرحمة ، فهو نبيّ الرحمة .

تنبيه :

قال الرازي : إنه عليه السلام كان رحمة في الدين وفي الدنيا . أما في الدين فلأنه بعث والناس في جاهلية وضلالة وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر دينهم ، لطول مكثهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم . فبعث اللّه تعالى محمدا صلى اللّه عليه وسلم حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب . فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الثواب ، وشرع لهم الأحكام وميز الحلال من الحرام . ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همته طلب الحق ، فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والاستكبار ، وكان التوفيق قرينا له . قال اللّه تعالى :
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ
، إلى قوله تعالى :
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
[ فصلت : 44 ] ، وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من كثير من الذل والقتال والحروب ، ونصروا ببركة دينه . انتهى . وقد أشرت إلى وجه الرحمة في بعثته صلوات اللّه عليه ، في ( الشذرة ) التي جمعتها في سيرته الزكية ، في بيان افتقار الناس جميعا إلى رسالته ، فقلت : كل من لحظ بعين الحكمة والاعتبار ، ونفذت بصيرته إلى مكنون الأسرار ، علم حاجة البشر كافة إلى رسالة خاتم النبيين ، وأكبر منة اللّه به على العالمين ، فقد بعث صلوات اللّه عليه وسلامه على حين فترة من الرسل ، وإخافة للسبل ، وانتشار من الأهواء ، وتفرق