بأنه كان طامعا في النجاة بيقين ، لعموم المشاركة . هذا . وإن مذهب هذا العارف الخاص به هو البناء على اتساع الرحمة الإلهية ، والأخذ بالظواهر من الآيات ، ومع ذلك فلما ذكر البحث في شأن إيمان فرعون ونجاته ، مع من قال بخلافهما ، قال : إن الوقف في شأن إيمان فرعون هو الأسلم ، لما شاع عند الخلق عامة من شقائه ، وهذا منه صريح في أنه كان باحثا في إيمانه ونجاته من ظاهر اللفظ القرآني بحثا لا جازما بهما - انتهى ملخصا - .
ثم أنبأ تعالى عما أنعم به على بني إسرائيل إثر نعمة إنجائهم من عدوّهم وإهلاكه ، وإخلالهم بشكرها وأداء حقوقها بقوله :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 93 ]
وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 93 )
وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ
أضيف المكان إلى الصدق ، لأن عادة العرب إذا مدحت شيئا ، أن تضيفه إلى الصدق تقول : رجل صدق . وقدم صدق .
وقال تعالى :
مُدْخَلَ صِدْقٍ
[ الإسراء : 80 ] ، و
مُخْرَجَ صِدْقٍ
[ الإسراء : 80 ] ، إذا كان عاملا في صفة صالحا للغرض المطلوب منه ، كأنهم لاحظوا أن كل ما يظن به فهو صادق .
وقوله تعالى :
وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
وهي المنّ والسلوى في التيه وبعده ، مما فاض عليهم من الأرض التي تدرّ لبنا وعسلا
فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ
أي ما تفرقوا على مذاهب شتى في أمر دينهم ، إلا من بعد ما جاءهم العلم الحاسم لكل شبهة ، وهو ما بين أيديهم من الوحي ، الذي يتلونه . أي : وما كان حقهم أن يختلفوا ، وقد بيّن اللّه لهم ، وأزاح عنهم اللبس . ونظير هذه الآية ، في النعي عليهم اختلافهم ، قوله تعالى :
وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ
[ البينة : 4 ] ، وقوله جلّ ذكره :
وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
[ آل عمران : 19 ] ، وفيه أكبر زاجر وأعظم واعظ عن الاختلاف في الدين ، والتفرق فيه .
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
أي فيميز المحق من المبطل بالإنجاء والإهلاك .