تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
السؤال عن حقيقتها - مطابقا . إلا أنه إجماليّ . أي من الممكنات التي يمكن الوقوف على حقائقها ، وإن كان بإعمال روية وإيقاظ فكر كباقي عالم الأمر . وعلى أن السؤال عن قدمها وحدوثها كذلك . إلا أنه تفصيليّ . وأيّا ما كان ، فلم يترك بيانها ، ولو كانت مما لا سبيل إلى معرفته لقيل :
قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي
كما قيل في الساعة ، أو نحو ذلك . بل لو لم يكن السبيل لمعرفته ، ولو بوجه ما ، متيسّرا لكثير من الناس ، لم يكن لأمره بالتفكر فيها ، والتّبصر في أمرها ، للاستدلال بها عليه ، والتوصل بواسطة معرفتها إليه ، الذي هو الغاية القصوى والثمرة العظمى - من فائدة . بل كان عبثا . فدل قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
[ الروم : 8 ] ، وقوله :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ ، أَ فَلا تُبْصِرُونَ
[ الذاريات : 21 ] ، ونحو ذلك ، أنها أمر تدركه العقول ، وبه يكون إليه تعالى الوصول . ثم إن الذين خاضوا في البحث عنها ، أثرت عنهم أقوال شتى . وقد أفردت لذلك تآليف قديمة وحديثة ، والذي يهمنا معرفته ما عول عليه الأئمة المدققون ، الذين نقبوا عن أقوال المتقدمين ، ونقدوها بمحك الكتاب والسنة ، فنبذوا ما يخالفهما وتمسكوا بما يوافقهما . فمنهم الإمام ابن حزم . قال رحمه الله في كتابه ( الملل والنحل ) بعد سرد مذاهب شتى : وذهب سائر أهل الإسلام والملل المقرّة بالمعاد ، إلى أن النفس جسم طويل عريض عميق ذات مكان . عاقلة مميزة مصرّفة للجسد . قال : وبهذا نقول . والنفس والروح اسمان لمسمى واحد ، ومعناهما واحد . ثم قال : وأما من ذهب إلى أن النفس ليست جسما ، فقول يبطل بالقرآن والسنة وإجماع الأمة . فأما القرآن ، فإن الله عز وجل قال :
هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ
[ يونس : 30 ] ، وقال تعالى :
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ، لا ظُلْمَ الْيَوْمَ
[ غافر : 17 ] ، وقال تعالى :
كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ
[ الطور : 21 ] ، فصح أن النفس هي الفعالة الكاسبة المجيبة المخطئة . وقال تعالى :
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
[ يوسف : 53 ] ، وقال تعالى :
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ
[ غافر : 46 ] . وقال تعالى :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ ، بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
[ البقرة : 154 ] ، وقال تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً ، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[ آل عمران : 169 - 170 ] فصح أن الأنفس ، منها ما يعرض على النار قبل يوم القيامة ، فيعذب . ومنها ما يرزق