تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
في لزومها له ، في موضع القلادة ومكان الطوق . ومنه يقال ( فلان يقلد فلانا ) أي يجعل ذلك الاعتقاد كالقلادة المربوطة على عنقه . وقوله تعالى :
وَنُخْرِجُ لَهُ
أي نظهر له
يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي البعث للجزاء على الأعمال
كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً
أي يجده مفتوحا فيه حسناته وسيئاته . ويقال له :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
أي شهيدا بما عملت . قال القاشانيّ :
كِتاباً
هيكلا مصورا يصوّر أعماله
يَلْقاهُ مَنْشُوراً
لظهور تلك الهيئات فيه بالفعل مفصلة ، لا مطويا كما كان عند كونها فيه بالقوة . يقال له :
اقْرَأْ كِتابَكَ
أي اقرأه قراءة المأمور الممتثل لأمر آمر مطاع يأمره بالقراءة . أو تأمره القوى الملكوتية . سواء كان قارئا أو غير قارئ . لأن الأعمال هناك ممثّلة بهيئاتها وصورها ، يعرفها كل أحد . لا على سبيل الكتابة بالحروف فلا يعرفها الأمىّ
كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
لأن نفسه تشاهد ما فعلته لازما إياها ، نصب عينها ، مفصلا لا يمكنها الإنكار . وقوله تعالى :
مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ
قال أبو السعود : فذلكة لما تقدم من بيان كون القرآن هاديا لأقوم الطرائق ، ولزوم الأعمال لأصحابها . أي من اهتدى بهدايته ، وعمل بما فيه تضاعيفه من الأحكام ، وانتهى عما نهاه عنه ، فإنما تعود منفعة اهتدائه إلى نفسه ، لا تتخطاه إلى غيره ممن لا يهتدي
وَمَنْ ضَلَّ
أي عن الطريقة التي يهديه إليها :
فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها
أي وبال ضلاله عليها ، لا على من عداه ممن لم يباشره . فقوله :
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
مؤكد لما قبله للاهتمام به . قال أبو السعود : أي لا تحمل نفسه حاملة للوزر ، وزر نفس أخرى ، حتى يمكن تخلص النفس الثانية عن وزرها . ويختل ما بين العامل وعمله من التلازم . بل إنما تحمل كل منهما وزرها . وهذا تحقيق لمعنى قوله عزّ وجلّ :
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
وأما ما يدل عليه قوله تعالى :
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها ، وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها
[ النساء : 85 ] ، وقوله تعالى :
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ
[ النحل : 25 ] ، من حمل الغير وزر الغير ، وانتفاعه بحسنته ، وتضرره بسيئته ، فهو في الحقيقة انتفاع بحسنة نفسه ، وتضرر بسيئته . فإن جزاء الحسنة والسيئة اللتين يعملهما العامل لازم له . وإنما الذي يصل إلى من يشفع ، جزاء شفاعته ، لا جزاء أصل الحسنة والسيئة . وكذلك جزاء الضلال مقصور على الضالين . وما يحمله المضلون ، إنما هو جزاء الإضلال لا جزاء الضلال .