الإنسان بحسب جبلته عجولا ضجرا لا يتأنى إلى أن يزول عنه ما يعتريه . أو يدعو بما هو شر وهو يحسبه خيرا . وكان الإنسان عجولا غير متبصرا لا يتدبر في أموره حق التدبر ليتحقق ما هو خير حقيق بالدعاء به ، وما هو شر جدير بالاستعاذة منه . انتهى .
ثم أشار تعالى إلى بعض وجوه الهداية في القرآن ، بالإرشاد إلى مسلك الاستدلال بالآيات والدلائل الآفاقية ، التي كل منها برهان نيّر لا ريب فيه . ومنهاج بيّن لا يضل من ينتحيه ، بقوله سبحانه :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 12 ]
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً ( 12 )
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ
أي جعلناهما ، بهيئاتهما وتعاقبهما واختلافهما في الطول والقصر ، علامتين تدلان على أن لهما خالقا حكيما :
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ
أي بجعلها مظلمة
وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
أي مضيئة لتمييز الأشياء المحسوسة .
والإضافة فيهما إما بيانية ، أي الآية التي هي الليل والآية التي هي النهار . وإما حقيقية .
وآية الليل والنهار نيّراهما . والمراد بمحو القمر خلقه مطموس النور في نفسه . أو نقص ما استفاده من الشمس شيئا فشيئا إلى المحاق . وبجعل الشمس مبصرة إبداعها مضيئة بالذات . ذات أشعة تبصر بها الأشياء ، فالإسناد في ( مبصرة ) مجازي إلى السبب العاديّ ، أو تجوز بعلاقة السبب . وقوله تعالى :
لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
متعلق ب ( جعلنا ) أي لتطلبوا في النهار رزقا منه سبحانه بالانتشار للمعاش والصناعات والأعمال والأسفار .
وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
أي الحساب المتعلق بما في ضمن السنين من الأشهر والليالي والأيام ، أو الحساب الجاري في المعاملات ، كالبيوع والإجارات . وفي العبادات ، أي لتعرف مضيّ الآجال المضروبة لذلك . إذ لو لاه لما علم أحد حسبان الأوقات ولتعطلت الأمور .
قال السيوطيّ في ( الإكليل ) : هذه الآية أصل في علم المواقيت والهيئة والتاريخ . وفي الآية لف ونشر غير مرتب . انتهى .
وقوله تعالى :
وَكُلَّ شَيْءٍ
أي مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم
فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا
أي بيناه في القرآن بيانا بليغا لا التباس معه . كقوله تعالى :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
[ النحل : 89 ] ، فظهر كونه هاديا للتي هي أقوم ظهورا بيّنا .