التعذيب على إجرامه ، ويهلك فزعا من مجيئه ، وإن أبطأ ، فضلا عن أن يستعجله - كذا في ( الكشاف ) - .
قال في ( الانتصاف ) : وفي هذا النوع البليغ نكتتان :
إحداهما : وضع الظاهر مكان المضمر .
والأخرى : ذكر الظاهر بصيغة زائدة مناسبة للمصدر .
وكلاهما مستقل بوجه من البلاغة والمبالغة - واللّه أعلم - وقوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 51 ]
أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ( 51 )
أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ
إنكار لإيمانهم بنزول العذاب بعد وقوعه حقيقة ، داخل مع ما قبله من إنكار استعجالهم به بعد إتيانه حكما ، تحت القول المأمور به .
أي : أبعد ما وقع العذاب وحلّ بكم حقيقة ، آمنتم به حين لا ينفعكم الإيمان ؟ إنكارا لتأخيره إلى هذا الحد ، وإيذانا باستتباعه للندم والحسرة ، ليقلعوا عما هم عليه من العناد ، ويتوجهوا نحو التدارك قبل فوت الفوات - أفاده أبو السعود .
وقوله تعالى :
آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ
على إرادة القول . أي : قيل لهم إذا آمنوا بعد معاينة العذاب ( آلآن آمنتم به ) ؟ وذلك إنكارا للتأخير ، وتوبيخا عليه . وسر وضع
تَسْتَعْجِلُونَ
موضع ( تكذبون ) الذي يقتضيه الظاهر ، الإشارة إلى أن المراد به الاستعجال السابق ، وهو التكذيب والاستهزاء ، استحضارا لمقالتهم فهو أبلغ من ( تكذبون ) .
وقيل : الاستعجال كناية عن التكذيب ، وفائدة هذه الحال استحضارها . وهذا ما ذكروه ، ولا مانع من بقاء الاستعجال على حقيقته ، يدل عليه آية :
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً . . .
[ الأنفال : 32 ] إلخ ، فهم مع تهكمهم رضوا بأن يعاينوا آية يعذبون بها ، لما في قلوبهم من مرض العناد العضال ، والجهل المصم المعمي ، ولذلك أجيبوا بأن العذاب هل فيه ما يستعجل منه . أي فمثل هذا الاستعجال لا يصدر ممن له مسكة من عقل ، إذ لا يستعجل إلا ما يرجى خيره ، ثم أعلمهم بعدم فائدة إيمانهم وقتئذ ، وما يوبخون به إنكارا للتأخير - واللّه أعلم - .