تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
ولكنهم قوم آثروا الضلال على الهدى ، زاغوا عنه فأزاغ اللّه قلوبهم . فطوى ما دل عليه هذه الجملة ، إيجازا للعلم بها . قال أبو السعود :
قُلْ : إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ
إضلاله مشيئة تابعة للحكمة الداعية إليها ، أي يخلق فيه الضلال لصرفه اختياره إلى تحصيله ، ويدعه منهمكا فيه ، لعلمه بأنه لا ينجع فيه اللطف ولا ينفعه الإرشاد كمن كان على صفتكم في المكابرة ، والعناد ، والغلوّ في الفساد . فلا سبيل له إلى الاهتداء ، ولو جاءته كل آية . ثم قال :
وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ
أي : أقبل إلى الحق وتأمل في تضاعيف ما نزل من دلائله الواضحة . وحقيقة الإنابة الدخول في نوبة الخير . وإيثار إيرادها في الصلة على إيراد المشيئة ، كما في الصلة الأولى ، للتنبيه على الداعي إلى الهداية بل إلى مشيئتها ، والإشعار بما دعا إلى المشيئة الأولى المكابرة . وفيه حث للكفرة على الإقلاع عما هم عليه من العتو والعناد . وإيثار صيغة الماضي للإيماء إلى استدعاء الهداية لسابقة الإنابة ، كما أن إيثار صيغة المضارع في الصلة الأولى للدلالة على استمرار المشيئة حسب استمرار مكابرتهم ، انتهى . وقوله تعالى :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 28 ]

الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ( 28 )
الَّذِينَ آمَنُوا
بدل من
مَنْ أَنابَ
أي : آمنوا باللّه ورسوله وكتابه
وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ
أي تسكن وتخشى عند ذكره ، وترضى به مولى ونصيرا . والعدول إلى صيغة المضارع لإفادة دوام الاطمئنان واستمراره
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
أي : بذكره دون غيره تسكن القلوب أنسا به ، واعتمادا عليه ، ورجاء منه ؛ وقدر بعضهم مضافا . أي بذكر رحمته ومغفرته ، أو بذكر دلائله الدالة على وحدانيته ؛ ورأى آخرون أن المراد
بِذِكْرِ اللَّهِ
القرآن ، لأنه يسمى ذكرا ، كما قال تعالى :
وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ
[ الأنبياء : 50 ] ، وقال سبحانه :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[ الحجر : 9 ] ، لأنه آية بينة تسكن القلوب وتثبت اليقين فيها . وهذا المعنى يناسب قوله :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ *
[ يونس : 20 ] ، أي : هؤلاء ينكرون كونه آية . والمؤمنون يعلمون أنه أعظم آية تطمئن لها قلوبهم ببرد اليقين : قال الشهاب : وهو أنسب الوجوه .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 282 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود