تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
الواو في الصفات . وآخرون على جوازها لتأكيد اللصوق ، أي الجمع والاتصال . لأنها كما تجمع المعطوف بالمعطوف عليه ، كذلك تجمع الموصوف بالصفة ، وتفيد أن اتصافه به أمر ثابت ، وقوله تعالى :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ
أي : بذلك الحق لرفضهم التدبر فيه شقاقا وعنادا . وهذا كقوله تعالى
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
[ يوسف : 103 ] .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 2 ]

اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ( 2 ) يخبر تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه أنه الذي بقدرته رفع السماوات ، أي خلقهن مرتفعات عن الأرض ارتفاعا لا ينال ولا يدرك مداه ! وقوله تعالى
بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها
أي أساطين . جمع عماد أو عمود . وقوله تعالى
تَرَوْنَها
إمّا استئناف للاستشهاد برؤيتهم السماوات كذلك ، كقول الشاعر :
أنا بلا سيف ولا رمح تراني
أو صفة ل ( عمد ) جيء بها إبهاما ؛ لأن لها عمدا غير مرئية ، وإليه ذهب كثير من السلف ، ورجّح ابن كثير الأول وأنها لا عمد لها ، قال : وهذا هو اللائق بالسياق والظاهر من قوله تعالى
وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ
[ الحج : 65 ] ، والأكمل أيضا في القدرة ! وقوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
تقدم تفسيره في سورة الأعراف ، وأنه يمرّ كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل . وقوله تعالى
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
أي ذلّلهما لما أراد منهما من نفع العالم السفليّ . وقوله تعالى
كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى
أي لغاية معينة ينقطع دونها سيره ، وهو قيام الساعة ، كقوله تعالى :
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها
[ يس : 38 ] وقد بيّن ذلك في قوله تعالى
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
[ التكوير : 1 ] ،
وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ
[ الانفطار : 2 ] ، والاقتصار على الشمس والقمر ، لأنهما أظهر الكواكب وأعظم من غيرهما فتسخير غيرهما يكون بطريق الأولى . وقد جاء التصريح بتسخيرهما مع غيرهما في قوله تعالى :
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[ الأعراف : 54 ] ، وقوله تعالى
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
أي : أمر العالم العلويّ والسفليّ ويصرّفه ويقضيه بمشيئته وحكمته على أكمل الأحوال . لا يشغله شأن عن شأن . وقوله تعالى
يُفَصِّلُ الْآياتِ
يعني : الآيات الدالة على وحدته وقدرته