التوراة والإنجيل في شيء ما ، كلا إذ لو صح هذا لما قال تعالى :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
[ النمل : 76 ] ، فقصصه قد تختلف عما عندهم ، وتبين لهم حقه من باطله . فلا منافاة بين تصديق القرآن لقصصهم في الجملة ، ومخالفته لها في بعض الجزئيات - كما قلنا - ويجوز أن يكون المراد بقوله :
تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
تصديق الحق الذي عندهم ، لا كلّ الذي عندهم ، وإلا لدخل في ذلك عقائدهم الفاسدة ، وأوهامهم وخرافاتهم وغيرها ، مما جاء القرآن لإزالته ومحقه ، ويستحيل أن يكون مصدقا لما جاء لإبطاله . فتنبه لذلك . ولا تكن من الغافلين . انتهى .
وقوله تعالى :
وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ
أي . تبيان كل ما يحتاج إليه من أحكام الحلال والحرام ، والآداب والأخلاق ، ووجوه العبر والعظات ، ولذا كان أعظم ما تنقذ به القلوب من الغيّ إلى الرشاد ، ومن الضلال إلى السداد . وتبتغي به الرحمة من رب العباد ، كما قال تعالى :
وَهُدىً
أي : من الضلالة
وَرَحْمَةً
أي : من العذاب
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
أي يصدقون به ، ويعلمون بأوامره ، فإن الإيمان قول وعقد وعمل .
وخصهم لأنهم المنتفعون به .
خاتمة في مباحث مهمة :
المبحث الأول
- فيما قيل في وجوه العبر في هذا القصص .
قال في ( اللباب ) : الاعتبار والعبرة : الحالة التي يتوصل بها الإنسان من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد . والمراد منه التأمل والتفكر . ووجه الاعتبار بهذه القصة أن الذي قدر على إخراج يوسف من الجبّ بعد إلقائه فيه ، وإخراجه من السجن ، وتمليكه مصر بعد العبودية . وجمع شمله بأبيه وإخوته بعد المدة الطويلة ، واليأس من الاجتماع ، قادر على إعزاز محمد صلى اللّه عليه وسلم وإعلاء كلمته ، وإظهار دينه . وأن الإخبار بهذه القصة العجيبة جار مجرى الإخبار عن الغيوب ، فكانت معجزة له صلى اللّه عليه وسلم .
وقال بعضهم : إن قصة يوسف الصديق ، جمة الفائدة ؛ وجليلة العائدة ، تحدو بكل امرئ أبيّ إلى الاقتداء بها . فإن من أطلق سوام الفكر في حياة يوسف عليه السلام رآها رغيدة ، وألفاها هنيئة ، وما ذلك إلا لطيب سيرته ، وحميد سريرته ، وتمسكه بعرى التقوى والفضيلة ، ولا سيّما فضيلة العفة والطهارة ، التي ترفع قدر صاحبها ، وتنزله المنزلة السامية . فعلى المرء أن يقتفي أثر هذه الفضيلة الجليلة ، كيوسف ، فيتسنم ذروة المجد في هذه الدنيا ، وينال السعادة الدائمة في الآخرة . انتهى .