تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
عنه ) : لما خلق اللّه الخلق ، كتب كتابا على نفسه ، وهو عنده فوق العرش ، إن رحمتي غلبت غضبي . و في لفظ آخر : لما قضى اللّه سبحانه الخلق ، كتب على نفسه في كتاب ، فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي سبقت غضبي . وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل ، وأنه استواء الذات على العرش ، لا على معنى القعود والمماسة ، كما قالت المجسمة والكرامية ، ولا على معنى العلوّ والرفعة ، كما قالت الأشعرية ، ولا على الاستيلاء والغلبة ، كما قالت المعتزلة ، لأن الشرع لم يرد بذلك ، ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين من السلف الصالح من أصحاب الحديث ، ذلك ، بل المنقول عنهم حمله على الإطلاق . وقد روي عن أم سلمة زوج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله عزّ وجلّ :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 5 ] : « الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإقرار به واجب ، والجحود به كفر » . وقد أسنده مسلم بن الحجاج عنها عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ( صحيحه ) ، وكذلك في حديث أنس بن مالك رضي اللّه عنه . وقال أحمد بن حنبل رحمه اللّه قبل موته بقريب : أخبار الصفات تمرّ كما جاءت ، بلا تشبيه ولا تعطيل . وقال أيضا ( في رواية بعضهم ) : لست بصاحب كلام ، ولا أرى الكلام في شيء من هذه الأماكن ، في كتاب اللّه عز وجل ، أو حديث عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو عن أصحابه رضي اللّه عنهم ، أو عن التابعين . فأما غير ذلك ، فإن الكلام فيه غير محمود ، فلا يقال في صفات الرب عز وجل ( كيف ) ؟ و ( لم ) ؟ لا يقول ذلك إلا شكّاك . وقال أحمد رضي اللّه عنه ( في رواية عنه ، في موضع آخر ) : نحن نؤمن بأن اللّه عزّ وجلّ على العرش كيف شاء ، وكما شاء ، بلا حدّ ولا صفة يبلغها واصف ويحدها حاد ، لما روي عن سعيد بن المسيّب ، عن كعب الأحبار ، قال ، قال اللّه تعالى في ( التوراة ) : أنا اللّه فوق عبادي ، وعرشي فوق جميع خلقي ، وأنا على عرشي ، عليه أدبر عبادي ، ولا يخفى عليّ شيء من عبادي . وكونه عزّ وجلّ على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبيّ أرسل ، بلا كيف ، ولأن اللّه تعالى - فيما لم يزل - موصوف بالعلوّ والقدرة والاستيلاء والغلبة على جميع خلقه ، من العرش وغيره . فلا يحمل الاستواء على ذلك . فالاستواء من صفات الذات ، بعد ما أخبرنا به ، ونص عليه وأكده في سبع آيات من كتابه ، والسنة المأثورة به ، وهو صفة لازمة له ، ولائقة به ، كاليد والوجه والعين والسمع والبصر والحياة والقدرة ، وكونه خالقا ورازقا ومحييا ومميتا ، موصوف بها ، ولا نخرج من الكتاب والسنة ، نقرأ الآية والخبر ، ونؤمن بما فيهما ، ونكل الكيفية في الصفات إلى علم اللّه عزّ وجلّ ، كما قال سفيان بن عيينة رحمه اللّه : كما وصف اللّه تعالى نفسه في كتابه ، فتفسيره قراءته .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 72 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود