تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
الرّحضاء ، ثم رفع رأسه فقال :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
كما وصف نفسه ، ولا يقال : كيف . و ( كيف ) عنه مرفوع . وأنت صاحب بدعة . وفي رواية قال : الكيف غير معقول ، والاستواء منه غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة . قال الحافظ الذهبي في كتاب ( العلوّ ) - بعد ما ساق هذا - ما نصه : وهو قول أهل السنة قاطبة ، أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها ، وأن استواءه معلوم ، كما أخبر في كتابه ، وأنه كما يليق به ، لا نتعمق ولا نتحذلق ، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيا ولا إثباتا ، بل نسكت ونقف ، كما وقف السلف ، ونعلم أنه لو كان له تأويل ، لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون ، ولما وسعهم إقراره وإمراره ، والسكوت عنه . ونعلم يقينا مع ذلك أن الله جل جلاله ، لا مثل له في صفاته ، ولا في استوائه ، ولا في نزوله ، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوّا كبيرا . ثم قال الذهبي : قال الإمام العلم ، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري صاحب التصانيف الشهيرة ، في كتابه ( مختلف الحديث ) : نحن نقول في قول الله تعالى :
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ
[ المجادلة : 7 ] ، أنه معهم ، يعلم ما هم عليه ، كما تقول للرجل وجّهته إلى بلد شاسع : احذر التقصير فإني معك ، يريد أنه لا يخفى عليّ تقصيرك . وكيف يسوغ لأحد أن يقول : إن اللّه سبحانه بكل مكان ، على الحلول فيه ، مع قوله :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 5 ] ومع قوله :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
[ فاطر : 10 ] ، كيف يصعد إليه شيء هو معه ، وكيف تعرج الملائكة والروح إليه وهي معه ؟ قال : ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرتهم ، وما ركبت عليه ذواتهم ، من معرفة الخالق ، لعلموا أن اللّه عز وجل هو العلي وهو الأعلى ، وأن الأيدي ترفع بالدعاء إليه ، والأمم كلها عجميّها وعربيّها يقول : إن اللّه في السماء ، ما تركت على فطرها - انتهى - . ثم قال الذهبي أيضا : عن يزيد بن هارون شيخ الإسلام ، أنه قيل له : من الجهمية ؟ قال : من زعم أن
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
على خلاف ما يقرّ في قلوب العامة ، فهو جهمي . قال الذهبي والعامة ، مرادة بهم ، جمهور الأمة وأهل العلم ، والذي وقر في قلوبهم من الآية ، وهو ما دل عليه الخطاب ، مع يقينهم بأن المستوي
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] ، هذا هو الذي وقر في فطرهم السليمة ، وأذهانهم الصحيحة . ولو كان له معنى وراء ذلك ، لتفوّهوا به ، ولما أهملوه . ولو تأول أحد منهم الاستواء ،