تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
إما الدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة ، وصفة واحدة ، لأن بينهما تلازما في الذهن والخارج ، لأن الأوامر تتضمن النواهي ومنافاة بحسب الظاهر ، لأن أحدهما طلب فعل ، والآخر طلب ترك ، فكانا بين كمال الاتصال والانقطاع المقتضي للعطف ، بخلاف ما قبلهما . أو لأنه ، لما عدد صفاتهم ، عطف هذين ليدل على أنهما شيء واحد ، وخصلة واحدة ، والمعدود مجموعهما ، كأنه قيل : الجامعون بين الوصفين . أو العطف لما بينهما من التقابل ، أو لدفع الإيهام ، وهذا معنى قول ( المغني ) الظاهر أن العطف في هذا الوصف إنما كان من جهة أن الأمر والنهي ، من حيث هما أمر ونهي ، متقابلان بخلاف بقية الصفات . أو لأن الآمر بالمعروف ناه عن المنكر ، وهو ترك المعروف . والناهي عن المنكر آمر بالمعروف . فأشير إلى الاعتداد بكل من الوصفين ، وأنه لا يكفي فيه ما يحصل في ضمن الآخر . وأما الثاني : أعني قوله تعالى :
وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ
فقيل : سر العطف فيه الإيذان بأن التعداد قد تم بالسبع ، من حيث إن السبعة هو العدد التامّ ، والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه ، ولذلك تسمى ( واو الثمانية ) ونظر فيه بأن الدال على التمام لفظ ( سبعة ) لاستعماله في التكثير ، لا معدوده . والقول بواو الثمانية ذكروه في قوله تعالى :
سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ
[ الكهف : 22 ] وضعفه في ( المغني ) . وقيل : سر العطف التنبيه على أن ما قبله مفصل الفضائل ، وهذا مجملها ، لأنه شامل لما قبله وغيره . ومثله يؤتى به معطوفا ، نحو زيد وعمرو وسائر قبيلتهما كرماء ، فلمغايرته لما قبله ، بالإجمال والتفصيل ، والعموم ، والخصوص ، عطف عليه . وقيل : بقوة الجامع بالتلازم ، لأن من حصل الأوصاف السابقة ، فقد حفظ حدود اللّه . وقيل : المراد بحفظ الحدود ظاهره ، وهي إقامة الحد ، كالقصاص على من استحقه . والصفات الأولى إلى قوله
الْآمِرُونَ
صفات محمودة للشخص في نفسه ، وهذه له باعتبار غيره ، فلذا تغاير تعبير الصنفين ، فترك العاطف في القسم الأول ، وعطف في الثاني . ولما كان لا بد من اجتماع الأول في شيء واحد ، ترك فيها العطف لشدة الاتصال ، بخلاف هذه ، فإنه يجوز اختلاف فاعلها ومن تعلقت به . وهذا هو الداعي لإعراب ( التائبون ) مبتدأ موصوفا بما بعده ، و ( الآمرون ) خبره . فكأنه قيل : الكاملون في أنفسهم المكملون لغيرهم . وقدم الأول لأن المكمل لا يكون مكملا حتى يكون كاملا في نفسه ، وبهذا اتسق النظم أحسن نسق من غير تكلف ، واللّه أعلم بمراده . كذا في ( العناية ) و ( حواشي المغني ) .