تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
لما هدى اللّه تعالى المؤمنين إلى الإيمان ، والأنفس مفتونة بمحبة الأموال والأنفس ، استنزلهم لفرط عنايته بهم ، عن مقام محبة الأموال والأنفس ، بالتجارة المربحة ، والمعاملة المرغوبة ، بأن جعل الجنة ثمن أموالهم وأنفسهم ، فعرض لهم خيرا مما أخذ منهم . فالآية ترغيب في الجهاد ببيان فضيلته ، إثر بيان حال المتخلفين عنه . قال أبو السعود : ولقد بولغ في ذلك على وجه لا مزيد عليه ، حيث عبر عن قبول اللّه تعالى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله تعالى ، وإثابته إياهم بمقابلتها الجنة ، بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية . ثم جعل المبيع ، الذي هو العمدة والمقصد في العقد ، أنفس المؤمنين وأموالهم . والثمن ، الذي هو الوسيلة في الصفقة ، الجنة . ولم يجعل الأمر على العكس بأن يقال : ( إن اللّه باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم ) ليدل على أن المقصد في العقد هو الجنة ، وما بذله المؤمنون في مقابلتها من الأنفس والأموال وسيلة إليها ، إيذانا بتعلق كمال العناية بهم وبأموالهم . ثم إنه لم يقل ( بالجنة ) بل ( بأن لهم الجنة ) مبالغة في تقرر وصول الثمن إليهم ، واختصاصه بهم . وكأنه قيل : ( بالجنة الثابتة لهم ، المختصة بهم ) . وفي ( الكشاف ) و ( العناية ) ولا ترى ترغيبا في الجهاد أحسن ولا أبلغ من هذه الآية ، لأنه أبرزه في صورة عقد عاقده رب العزة ، وثمنه ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط ، بل إذا كانوا قاتلين أيضا لإعلاء كلمته ، ونصر دينه ، وجعله مسجلا في الكتب السماوية ، وناهيك به من صك . وجعل وعده حقا ، ولا أحد أوفى من وعده ، فنسيئته أقوى من نقد غيره . وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم ، وهو استعارة تمثيلية ، صور جهاد المؤمنين ، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه ، وإثابة اللّه لهم على ذلك الجنة ، بالبيع والشراء ، وأتى بقوله
يُقاتِلُونَ . . .
إلخ بيانا لمكان التسليم وهو المعركة ، وإليه الإشارة بقوله « 1 » صلى اللّه عليه وسلّم « الجنة تحت ظلال السيوف » ثم أمضاه بقوله :
وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
. ولما في هذا من البلاغة واللطائف المناسبة للمقام ، لم يلتفتوا إلى جعل ( اشترى ) وحده استعارة أو مجازا عن الاستبدال ، وإن ذكروه في غير هذا الموضع ، لأن قوله
فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ
يقتضي أنه شراء وبيع ، وهذا لا يكون إلا بالتمثيل . ومنهم من جوز أن يكون معنى
اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
بصرفها في
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : الجهاد ، 22 - باب الجنة تحت بارقة السيوف ، حديث رقم 1346 عن عبد اللّه بن أبي أوفى .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 509 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود