تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
قال الجلاس ، فلما بلغ ذلك الجلاس ، أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فحلف باللّه ما قالها ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ فيه
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ . . .
الآية - فوقفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليها ، فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته ، ونزع فأحسن النزوع . وهاتان الروايتان وغيرهما مما روي هنا ، كله مما يفيد تنوع مقالات وكلمات مكفرة لهم مما هو من هذا القبيل ، وإن لم يمكنا تعيين شيء منها في هذه الآية . وقوله تعالى :
وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا
قال ابن كثير : قيل أنزلت في الجلاس بن سويد ، وذلك أنه هم بقتل عمير ابن امرأته ، لما رفع كلمته المتقدمة إلى النبيّ صلوات اللّه عليه . وقد ورد أن نفرا من المنافقين هموا بالفتك بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو في غزوة تبوك ، في بعض تلك الليالي ، في حال السير ، وكانوا بضعة عشر رجلا . قال الضحاك : ففيهم نزلت هذه الآية . قال الإمام أحمد في مسنده « 1 » : حدثنا يزيد أخبرنا الوليد بن عبد اللّه بن جميع عن أبي الطفيل قال : لما أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من غزوة تبوك ، أمر مناديا فنادى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أخذ العقبة ، فلا يأخذها أحد . فبينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقوده حذيفة ، ويسوق به عمّار ، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل ، غشوا عمارا ، وهو يسوق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأقبل عمار رضي اللّه عنه يضرب وجوه الرواحل ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم لحذيفة : قد قد . حتى هبط رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فلما هبط رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نزل ، ورجع عمار ! فقال : يا عمار ! هل عرفت القوم ؟ فقال : قد عرفت عامة الرواحل ، والقوم متلثمون . قال : هل تدري ما أرادوا ؟ قال : اللّه ورسوله أعلم . قال : أرادوا أن ينفروا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيطرحوه . قال : فسابّ عمار رجلا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : نشدتك باللّه ، كم تعلم كان أصحاب العقبة ؟ قال : أربعة عشر رجلا . فقل : إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر . قال فعدّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منهم ثلاثة ، قالوا : واللّه ما سمعنا منادي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما علمنا ما أراد القوم . فقال عمار : أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب للّه ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .
وَما نَقَمُوا
أي ما أنكروا وما عابوا
إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ
فإنهم كانوا قبل مقدمه صلى اللّه عليه وسلّم المدينة في ظنك من العيش ، فأثروا بالغنائم ، وقتل للجلاس مولى ، فأمر له النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بديته فاستغنى . والمعنى أن المنافقين عملوا بضد الواجب ، فجعلوا موضع شكر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ما همّوا به ، ولا ذنب إلا تفضله عليهم ، فهو على حد قولهم : ما لي عندك ذنب إلا أني أحسنت إليك ، وقول ابن قيس الرقيّات :
هامش
( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند 5 / 453 .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 457 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود