تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 32 ]

يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 32 )
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ
أي يخمدوا حجته الدالة على وحدانيته ، وتقدسه عن الولد ، أو القرآن ، أو نبوّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ
أي بإعلاء التوحيد ، وإعزاز الإسلام
وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
أي بدلائل التوحيد ، ذلك . قال أهل المعاني : نور اللّه استعارة أصلية تصريحية لحجته أو ما بعدها ، لتشبيه كل منها بالنور في الظهر . والإطفاء ترشيح ، أو هو استعارة تمثيلية ، شبه حالهم في محاولتهم إبطال النبوة بالتكذيب ، بحال من يطلب إطفاء نور عظيم ، منبث في الآفاق ، يريد اللّه أن يزيده بنفخه .

لطائف :

الأولى - قال الشهاب : روعي في كل من المشبه والمشبه به الإفراط والتفريط ، حيث شبه الإبطال بالإطفاء بالفم ، ونسب النور إلى اللّه . ومن شأن النور المضاف إليه أن يكون عظيما ، فكيف يطفأ بنفخ الفم ، مع ما بين الكفر الذي هو ستر وإزالة للظهور ، والإطفاء من المناسبة . الثانية - لا يخفى أن قوله تعالى :
إِلَّا أَنْ يُتِمَّ
استثناء مفرغ ، وهو في محل نصب مفعول به ، والاستثناء المفرغ يكون في الفعل المنفي لا الموجب ، إلا أن يستقيم المعنى . وهنا صح التفريغ من الموجب وهو
وَيَأْبَى اللَّهُ
لأنه نفى في المعنى ، لأنه وقع في مقابلة
يُرِيدُونَ
وفيه من المبالغة والدلالة على الامتناع ما ليس في نفي الإرادة ، أي لا يريد شيئا من الأشياء إلا إتمام نوره ، فيندرج في المستثنى منه بقاؤه على ما كان عليه ، فضلا عن الإطفاء - أفاده أبو السعود - وقال الزجاج : المستثنى منه محذوف تقديره ( ويكره اللّه كل شيء إلا إتمام نوره ) . قال الشهاب : فالمعنى على العموم المصحح للتفريغ ، عنده ، فللناس في توجيه التفريغ هنا مسلكان . والحاصل أنه إن أريد كل شيء يتعلق بنوره بقرينة السياق ، صح إرادة العموم ، ووقوع التفريغ في الثابتات ، كما ذهب إليه الزجاج ، إذ ما من عامّ إلا وقد خصّص ، فكل عموم نسبي ، لكنه يكتفي به ، ويسمى عموما . ألا ترى