تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
غدر به ولا خيانة ، ولذا ورد في الترهيب من عدم الوفاء بالعهد والغدر ما يزجر أشد الزجر . فروى البخاري في ( تاريخه ) والنسائي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من أمّن رجلا على دمه فقتله ، فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافرا » . و روى أحمد والشيخان « 1 » عن أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة . قال ابن كثير : من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام ، في أداء رسالة أو تجارة ، أو طلب صلح أو مهادنة ، أو حمل جزية ، أو نحو ذلك من الأسباب ، وطلب من الإمام أو نائبه أمانا أعطي ، ما دام مترددا في دار الإسلام ، إلى أن يرجع إلى مأمنه ووطنه . قال الحاكم : وإنما يجار ويؤمّن إذا لم يعلم أنه يطلب الخداع والمكر ، لأنه تعالى علل لزوم الإجارة بقوله
حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
. الثاني - قال الحاكم : تدل الآية على أنه يجوز للكافر دخول المسجد لسماع كلام اللّه . الثالث - استدل بهذه الآية من ذهب إلى كلام اللّه بحرف وصوت قديمين ، وهم الحنابلة ، ومن وافقهم كالعضد . قالوا : لأن منطوق الآية يدل على أن كلام اللّه يسمعه الكافر والمؤمن والزنديق والصديق ، والذي يسمعه جمهور الخلق ليس إلا هذه الحروف والأصوات . فدل ذلك على أن كلام اللّه ليس هذه الحروف والأصوات . والقول بأن كلام اللّه شيء مغاير لها باطل ، لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما كان يشير بقوله ( كلام اللّه ) إلا لها ، وقد اعترف الرازي بقوة هذا ، لإلزام من خالف فيه ، وقد مضى لنا في قوله تعالى :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
[ النساء : 164 ] في آخر سورة النساء ، فارجع إليه . الرابع - قال الرازي : دلت الآية على أن التقليد غير كاف في الدين ، وأنه لا بد من النظر والاستدلال ، وذلك لأنه لو كان التقليد كافيا ، لوجب أن لا يمهل هذا الكافر ، بل يقال له : إما أن تؤمن ، وإما أن نقتلك . فلما لم يقل له ذلك ، بل أمهل وأزيل الخوف عنه ، ووجب تبليغه مأمنه - علم أن ذلك لأجل عدم كفاية التقليد في الدين ، وأنه لا بد من الحجة والدليل ، فلذا أمهل ليحصل له النظر والاستدلال .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : الجزية والموادعة ، 22 - باب إثم الغادر للبر والفاجر ، حديث رقم 1504 . وأخرجه مسلم في : الجهاد والسير ، حديث رقم 14 .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 356 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود