تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
وقال ابن كثير : وأول هذه السورة نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما رجع من غزوة ( تبوك ) ، وهمّ بالحج . ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك . وأنهم يطوفون بالبيت عراة ، فكره مخالطتهم ، وبعث أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه أميرا على الحج تلك السنة ، ليقيم للناس مناسكهم ، ويعلم المشركون ألا يحجوا بعد عامهم هذا ، وأن ينادي بالناس
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
، فلما قفل ، أتبعه بعليّ بن أبي طالب ، ليكون مبلغا عنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لكونه عصبة له ، كما سيأتي . وقوله تعالى :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 2 ]

فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ( 2 )
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
أي فقولوا لهم : سيروا في الأرض بعد نبذنا العهد آمنين من القتل والقتال مدة أربعة أشهر ، وذلك من يوم النحر إلى عشر يخلون من ربيع الآخر . والمقصود تأمينهم من القتل ، وتفكرهم واحتياطهم ، ليعلموا أنهم ليس لهم بعدها إلا السيف ، وليعلموا قوة المسلمين إذ لم يخشوا استعدادهم لهم . وهذه الأربعة الأشهر كانت عهدا لمن له عهد دون الأربعة الأشهر ، فأتمت له . فأما من كان له عهد موقت ، فأجله إلى مدته ، مهما كانت ، لقوله تعالى :
فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ
[ التوبة : 4 ] ، كما يأتي . روي هذا عن غير واحد ، واختاره ابن جرير . وقال مجاهد : هذا تأجيل للمشركين مطلقا ، فمن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر رفع إليها ، ومن كانت أكثر حط إليها ، ومن كان عهده بغير أجل حدّ بها ، ثم هو بعد ذلك حرب للّه ولرسوله ، يقتل حيث أدرك ويؤسر ، إلا أن يتوب ويؤمن . أقول : ولا يرد عليه إطلاق قوله تعالى :
إِلى مُدَّتِهِمْ
، لأن له أن يجيب بأن الإضافة للعهد ، أي المدة المعهودة وهي الأربعة الأشهر . واللّه أعلم .
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ
يعني أن هذا الإمهال ليس لعجز عنكم ، ولكن لحكمة ولطف بكم . أي فلا تفوتونه . وإن أمهلكم
وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ
أي مذلّهم بالقتل في الدنيا ، والعذاب في الآخرة .